المغرب وإعادة هندسة الأمن الأوروبي

طارق البوزيدي – العرب:
حضور المغرب بالنقاش الأوروبي امتد إلى ملفات أكثر حساسية تتصل ببنية الأمن نفسها، من الوقاية من التطرف إلى تأمين المجال البحري وصولًا إلى البنية الرقمية.
لم يعد الأمن الأوروبي يُقرأ اليوم من خطوط الحدود وحدها، بل من فضاء أوسع يمتد من غرب المتوسط إلى الساحل، ومن البحر إلى البنية الرقمية. هذا التحول برز بوضوح منذ إطلاق الاتحاد الأوروبي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 “ميثاق المتوسط” كإطار لبناء فضاء متوسطي أكثر ترابطًا وقدرة على الصمود وأمنًا.
ثم جاء تقديم أول خطة عمل لتنزيل هذا الميثاق في أبريل/نيسان 2026، قبل أن تؤكد زيارة كايا كالاس إلى الرباط في 16 أبريل/نيسان أن الشراكة مع المغرب دخلت مرحلة تركز على مكافحة الإرهاب والأمن البحري والصمود السيبراني، مع التحضير لمنتدى أمني أوروبي–متوسطي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ما يلفت في هذا المسار ليس أن المغرب حضر فيه كشريك إضافي، بل أنه وصل إليه من موقع الفاعل الذي راكم شروط هذا التموضع مسبقًا. فالرباط لم تبنِ وزنها الحالي بخطاب سياسي فقط، بل عبر مسار أمني ومؤسساتي طويل جمع بين الاستقرار الداخلي، والنجاعة الاستخباراتية، والقدرة على العمل مع شركاء متعددين، ثم تحويل هذا الرصيد إلى وظيفة إقليمية واضحة.
المغرب لم يعد مجرد شريك أمني لأوروبا بل فاعل يربط المتوسط بالساحل ويؤثر في هندسة الأمن الأوروبي عبر الاستقرار والخبرة الاستخباراتية والامتداد الأفريقي
لذلك لم يعد حضور المغرب في النقاش الأوروبي يقتصر على الهجرة أو التنسيق الحدودي، بل امتد إلى ملفات أكثر حساسية تتصل ببنية الأمن نفسها، من الوقاية من التطرف إلى تأمين المجال البحري وصولًا إلى البنية الرقمية.
التحول الأهم هنا يتعلق بطبيعة المجال الذي يتحرك داخله هذا الدور. أوروبا لم تعد تتعامل مع المتوسط كواجهة جنوبية منفصلة عن عمقها الأفريقي، بل كمساحة متصلة تتقاطع فيها التهديدات. وحين تربط الوثائق الأوروبية الأخيرة بين الأمن والمرونة والكابلات البحرية والشبكات الرقمية والبحر والطاقة، فذلك يعني أن مركز الاهتمام لم يعد مراقبة التدفقات فقط، بل حماية المجال المشترك بكل طبقاته.
وفي هذا السياق يكتسب المغرب وزنه لأنه يطل على المتوسط والأطلسي في آن، ويملك امتدادًا فعليًا نحو أفريقيا، ويستطيع أن يربط بين غرب المتوسط والعمق الساحلي ضمن قراءة واحدة للتهديد والاستجابة.
هذا التموضع تعززه أيضًا طبيعة الشراكات التي راكمها المغرب مع أوروبا. فالإعلان المشترك المغربي–الإسباني في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025 أعاد تثبيت أولوية التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات الاستراتيجية والعملياتية في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وفي الاتجاه نفسه، انتقل التعاون الأمني مع فرنسا إلى مستوى أكثر تأطيرًا بعد توقيع خطة عمل مشتركة بالرباط في 24 يونيو/حزيران 2025، شملت التكوين وتبادل المعلومات والمساعدة التقنية والتعاون العملياتي. ثم جاء الحوار الرقمي الأوروبي–المغربي الذي أُطلق في 8 أبريل/نيسان 2026 ليفتح مستوى آخر من الشراكة يشمل الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والشبكات الموثوقة والبنى العمومية الرقمية. بهذا المعنى، لم يعد حضور المغرب داخل المنظومة الأوروبية يمر فقط عبر التعاون الأمني المباشر، بل امتد إلى مجالات ترتبط بحماية المجال المتوسطي نفسه في أبعاده البحرية والرقمية والعملياتية.
إعادة هندسة الأمن الأوروبي تمر عبر الرباط حيث يتقاطع الأمن البحري والرقمي والوقاية من التطرف لتتحول الشراكة إلى وظيفة استراتيجية داخل المنظومة الأوروبية–المتوسطية
لكن التحول الأعمق الذي يفسر هذا الوزن المغربي يتصل بما يجري في الساحل، بعدما صار هذا المجال أحد أبرز مصادر الضغط على الأمن الأوروبي. فقد أكد مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2026 أن الساحل أصبح بؤرة الإرهاب الأولى في العالم، مستحوذًا على أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا.
ثم جاءت الهجمات الكبيرة في مالي في أواخر أبريل/نيسان 2026، التي شاركت فيها جماعات إرهابية وحركات انفصالية في وقت واحد، لتؤكد أن الخطر الذي يضغط على أوروبا لم يعد بحريًا أو حدوديًا فقط، بل صار ناتجًا عن تداخل الإرهاب مع الانفصال والهشاشة السياسية. في هذا السياق ترتفع قيمة المغرب لأنه يجمع بين القرب من أوروبا، والاستقرار المؤسساتي، والخبرة الاستخباراتية، والقدرة على وصل المسرح المتوسطي بالمسرح الساحلي ضمن مقاربة واحدة.
المرجح خلال السنوات المقبلة أن يتجاوز الدور المغربي منطق توسيع التعاون الأمني التقليدي إلى وظيفة أكثر تركيبًا داخل المنظومة الأوروبية–المتوسطية. أول هذه التحولات يتصل بالربط بين الأمن البحري والأمن الرقمي، لأن ميثاق المتوسط وخطة عمله والحوار الرقمي مع المغرب تسير كلها في اتجاه التعامل مع البنية التحتية والترابط التكنولوجي كجزء من الأمن.
وثانيها أن المغرب سيتقدم أكثر داخل المقاربات الوقائية، لا فقط داخل التنسيق العملياتي، بالنظر إلى حضوره المتراكم في مسارات الوقاية من التطرف وبناء الأدوات المرتبطة بها. أما ثالثها، فهو أن أي إعادة ترتيب جدية للأمن الأوروبي في غرب المتوسط ستزداد ارتباطًا بالمغرب كلما ازداد اقتناع الأوروبيين بأن الساحل لم يعد هامشًا خارجيًا، بل جزءًا مباشرًا من أمنهم.
هنا تحديدًا تتضح طبيعة النقلة الجارية. فالمغرب لا يتحرك اليوم داخل موقع الشريك المفيد فقط، بل داخل موقع الدولة التي ساهمت بعملها وتراكمها في دفع أوروبا إلى التعامل مع الجنوب بمنطق جديد. لم يعد المطلوب من الرباط أن تساعد في تدبير الخطر بعد ظهوره، بل أن تشارك في تحديد أين يبدأ الخطر، وكيف ترتبط مسارحه، وما هي الأدوات التي ينبغي بناؤها لاحتوائه. وإذا كان أمن أوروبا يتجه فعلاً من أمن الحدود إلى أمن المجال المتصل، فإن المغرب سيكون أحد الفاعلين الذين سيؤثرون في هندسة هذا الانتقال من الجنوب، لا أن يكتفوا بمواكبته.




