المسار الصيني

محمد صابرين – بوابة الأهرام:
في وسط العواصف والتقلبات على الساحة الدولية، تقدم الصين “مسارًا أكثر أمنًا” لا يقوم على القوة الغاشمة، وتبشر بعالم أكثر رخاءً يقوم على التعاون، والعيش المشترك، وصفقات “رابح رابح”، ورفاهية الشعوب من خلال “تنمية عالية الجودة”. ولذلك تؤمن القيادة الصينية أن الحرب لا تصب في مصلحة أحد، وأن القوة ليست السبيل لحل المشاكل.
وفيما يتعلق بالنزاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فإن الموقف الصيني واضح وثابت ويتلخص كالتالي: “هذه الحرب كان ينبغي ألا تبدأ، وتدعو بكين لوقف القتال فورًا في الشرق الأوسط، واحترام سيادة إيران وكل دول الخليج”. ويرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي أنه يجب على الدول الكبرى “إعلاء شأن العدالة واتباع الطريق الصحيح”، كما عليها أن تسهم إسهامًا إيجابيًا في قضية السلام والتنمية في الشرق الأوسط.
ولقد حرص السفير الصيني بالقاهرة لياو ليتشيانج على عقد ندوة لشرح موقف بلاده من الحرب المشتعلة في الخليج، وأشار إلى أهمية التنسيق بين مصر والصين، وتطابق رؤيتهما في ضرورة وقف الحرب، وإحلال السلام في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه قدم السفير المخضرم خلاصة ما شهدته الدورة الرابعة للمجلس الوطني الـ14 لنواب الشعب الصيني في بكين الأحد الماضي. وحرص أن يشارك مجموعة من الكتاب والباحثين المصريين ورجال الأحزاب المصرية بإسهاب رؤية السياسة الصينية، وتصريحات أدلى بها وزير الخارجية الصيني وانغ يي.
ولقد أكد وانغ يي، على هامش اجتماع المجلس الوطني لنواب الشعب، أن الصين تدعو إلى وقف فوري للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط لمنع المزيد من التصعيد وتجنب امتداد الصراع، وأن هذه الحرب كان ينبغي ألا تندلع أصلاً، وهي حرب لا تفيد أحدًا.
وشدد وانغ على أن القوة ليست السبيل لحل المشاكل، وأن اللجوء إلى السلاح لن يؤدي إلا إلى إثارة كراهية جديدة. وأكد الوزير الصيني ضرورة احترام سيادة إيران ودول الخليج الأخرى وأمنها ووحدة أراضيها، وعدم انتهاكها.
وفي رسالة بالغة الأهمية شدد الوزير الصيني المخضرم على أن “شعوب الشرق الأوسط هم أصحاب المنطقة الحقيقيون، ويجب أن تكون هذه الشعوب هي التي تقرر في شؤون المنطقة”.
وفي وقت سابق أكدت بكين وموسكو رفضهما القاطع لسياسة “الإطاحة بالسلطات المنتخبة شرعيًا في الدول ذات السيادة” على خلفية التصعيد في إيران. وحذرت الصين من خطر تصعيد النزاع في الشرق الأوسط واتساع نطاقه، وأعلنت إرسال مبعوثها الخاص إلى المنطقة للقيام بجهود وساطة.
وقبل أن يغادرنا السفير ليو ليتشيانج لاستقبال المبعوث الصيني الخاص في مطار القاهرة، فقد اقتربت منه في حوار سريع ووجهت سؤالاً واحدًا له: “حكمة الصين ترى أن لا حلول عسكرية، وحل الدولتين حل عادل، إلا أن ما نراه هو التدهور المستمر بالمنطقة. هل هناك تخوف لدى بكين من تدهور الموقف بشكل كبير، وهل هذا يهدد مصالح الصين، وهل سيكون هناك معالجة أخرى؟”.
وبنظرة هادئة، وابتسامة ثقة، قال السفير باختصار: “موقفنا هو وقف القتال فورًا، ومنع الحرب، وبدء الحوار من أجل الحل السلمي”. ومثلما كان واضحًا في الرد قبل أن يسرع للمطار فقد كان عدم الرد أكثر وضوحًا من المتحدث باسم الخارجية الصيني على سؤال بشأن طلب دونالد ترامب لإرسال الصين سفنًا حربية لتأمين ناقلات النفط في مضيق هرمز.
ومما لا شك فيه أن التفاهم والتنسيق بين القاهرة وبكين يشهد تطورًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، ويشرح السفير علي الحفني نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية الصينية جوهر الموقف بتأكيده “أن الصين ومصر تمثلان قوتين للاستقرار في عالم يشهد تحولات متسارعة وتزايدًا في عوامل عدم اليقين، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين تكتسب أهمية استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي في ظل المتغيرات الدولية الراهنة”.
وبالعودة للسفير الصيني فهو يؤكد أن الصين تتطلع إلى أن تكون مع مصر صديقين وشريكين مخلصين، تقوم علاقتهما على الثقة المتبادلة والتنمية المشتركة، بما يدفع العلاقات الثنائية نحو هدف بناء مجتمع المستقبل المشترك في العصر الجديد، ويسهم في تعزيز السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة والعالم.
وأشار إلى أن الشركات الصينية تشارك بنشاط في مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين في مصر وغيرها من دول العالم، بما يساعد على تسريع تنمية الاقتصاد الأخضر ويدعم التعاون المشترك في مجال التنمية المستدامة. ولفت إلى أن منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر في السويس تمثل نموذجًا بارزًا للتعاون الصناعي في إطار مبادرة الحزام والطريق، والتي انضمت إليها أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم.
ووسط هذا كله لا تتوقف الصين عن البناء، وكأنها في سباق مع الزمن من أجل رسم ملامح المستقبل. ويشير السفير ليو ليتشيانج، إلى أهمية اعتماد الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين هذا العام، والتي ترسم ملامح التنمية خلال السنوات الخمس المقبلة وتقدم خبرات مفيدة لدول الجنوب العالمي.
وأكد أن وضع وتنفيذ الخطط الخمسية يمثل خبرة مهمة للحزب الشيوعي الصيني في مجال الحكم والإدارة، إذ وضعت الصين منذ عام 1953 أربع عشرة خطة خمسية متتالية؛ ما أسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد.
وأوضح أن التنمية في الصين تضع الإنسان في المقام الأول، حيث ارتفع نصيب الفرد من الدخل القابل للتصرف بمعدل 5.4% سنويًا، وازدادت فرص العمل الجديدة في المدن بأكثر من 60 مليون وظيفة، فيما تجاوز متوسط العمر المتوقع 79 عامًا.
وأشار إلى أن الاقتصاد الصيني واصل صموده أمام الضغوط خلال السنوات الأخيرة، إذ تجاوز حجمه 140 تريليون يوان وساهم بنحو 30% من نمو الاقتصاد العالمي، كما تجاوز إجمالي مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية في عام 2025 حاجز 50 تريليون يوان للمرة الأولى.
وأضاف أن الصين حققت تقدمًا ملحوظًا في مجالات الابتكار والاقتصاد الرقمي، حيث تجاوزت مساهمة القطاعات الأساسية للاقتصاد الرقمي 10% من الناتج المحلي الإجمالي، مع اندماج تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي في قطاعات الصناعة والزراعة والنقل.
وأكد أن الصين أنشأت أكبر منظومة للطاقة المتجددة في العالم وأسرعها نموًا، مع مساهمة كبيرة في خفض تكاليف إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عالميًا، ما يدعم التحول الأخضر والتنمية منخفضة الكربون.
ويبقى أن المسار الصيني يعكس حضارة الصين العظيمة، كما أن الدبلوماسية الصينية تركز على تقديم الاستقرار العالمي وعناصر اليقين للعالم المضطرب. وتعمل القيادة الصينية في ظل الرئيس شي جينبينغ، على القيام بدور بنّاء في مواجهة التقلبات الدولية، مع الالتزام بالدبلوماسية المسئولة في القضايا الإقليمية والدولية. وبالنظر لحكمة السنين والحضارة العميقة فليس من المستغرب أن تقوى وتتعمق العلاقة بين القاهرة وبكين يومًا بعد يوم.




