رأي

المحكمة الجنائية الدولية بين السرية والشفافية.. ما علاقة نتنياهو بالأمر؟

محمود الحنفي – الجزيرة:

في واحدة من أكثر الخطوات الإجرائية حساسية منذ سنوات، اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية، في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، القاعدة الجديدة (23 ثالثا)، التي ألزمت مكتب المدعي العام بتصنيف طلبات إصدار أوامر القبض أو أوامر الحضور، بموجب المادة (58) من نظام روما الأساسي، باعتبارها: سرية أو مختومة، ما لم تقرر إحدى الدوائر خلاف ذلك.

وبينما يبدو التعديل تقنيا للوهلة الأولى، فإنه يعكس تحولا عميقا في طريقة إدارة المحكمة ملفاتها الحساسة، خصوصا في القضايا المشبعة بالتجاذبات السياسية، وفي مقدمتها الحالة في فلسطين.

ويأتي هذا التعديل لتوحيد الممارسة السابقة للدوائر التمهيدية، ووضع إطار قانوني ملزم يهدف إلى حماية سلامة التحقيقات، وضمان فاعلية عمليات إلقاء القبض.

وفي سياق الحالة في دولة فلسطين، رقم القضية (ICC-01/18)، تكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة، ولا سيما في ضوء ما تردد في مايو/أيار 2026 بشأن إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، وهو ما نفته المحكمة رسميا.

ويقدم هذا المقال تحليلا قانونيا للتعديل الجديد، وتقييما لآثاره على سرية الإجراءات، ودراسة لتطبيقاته العملية في ضوء قرارات الدائرة التمهيدية الأولى الصادرة في 13 يوليو/تموز 2018، والتي ألزمت قلم المحكمة بإنشاء نظام للإعلام والتوعية للضحايا في فلسطين، مع الحفاظ على أعلى درجات السرية عند الاقتضاء.

أولا: الإطار القانوني للتعديل- القاعدة (23 ثالثا)

1- نشأة التعديل والأساس القانوني
استنادا إلى المادة (52/1) من نظام روما الأساسي، التي تخول القضاة وضع لوائح المحكمة اللازمة لأداء مهامها، اعتمدت الهيئة الكاملة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية تعديلا على لائحة المحكمة دخل حيز التنفيذ في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

ويقضي التعديل، المتمثل بإضافة القاعدة (23 ثالثا)، بأن تقدم طلبات إصدار أوامر القبض أو أوامر الحضور بموجب المادة (58) تحت تصنيف: سري أو مختوم، ما لم تقرر إحدى الدوائر خلاف ذلك.

إعلان
2- الإجراءات التمهيدية للمراجعة
سبق اعتماد التعديل عرضه على اللجنة الاستشارية لمراجعة النصوص، التي تضم قضاة وممثلين عن مكتب المدعي العام وقلم المحكمة والمحامين المعتمدين، بما يعكس الطابع التوافقي الذي رافق عملية الصياغة ومراعاة مختلف وجهات النظر داخل العملية القضائية.

3- الآلية الجديدة للتصنيف والأثر القانوني

بموجب القاعدة الجديدة، أصبح الإيداع السري لطلبات أوامر القبض أو الحضور إلزاميا، بما يشمل الطلبات اللاحقة المتعلقة بتعديلها أو استكمالها. ويؤدي ذلك إلى الحد من وصول الجمهور ووسائل الإعلام إلى هذه الطلبات خلال المراحل الأولى من الإجراءات.

وفي المقابل، تحتفظ الدائرة المختصة بسلطة رفع السرية وفقا لظروف كل حالة، ولا سيما إذا كان الإعلان يهدف إلى وضع حد لسلوك إجرامي مستمر، أو منع ارتكاب جرائم أخرى، أو زيادة فرص إلقاء القبض على الشخص المطلوب.

كما أحيل التعديل إلى الدول الأطراف وفقا للمادة (52/3) من نظام روما الأساسي، بحيث يبقى نافذا ما لم تعترض عليه أغلبية الدول الأطراف خلال ستة أشهر، وهو ما يعكس التوازن بين السلطة التنظيمية للمحكمة ودور الدول الأطراف في الرقابة على التعديلات الإجرائية.

ثانيا: الأساس المنطقي للتعديل.. من الممارسة إلى التدوين

لم يأت اعتماد القاعدة (23 ثالثا) من فراغ، بل شكل تقنينا لممارسة قضائية كانت الدوائر التمهيدية تتبعها بصورة متكررة عند التعامل مع طلبات أوامر القبض بموجب المادة (58).

وقد برز ذلك بوضوح في قضية الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، حيث قدم طلب إصدار أمر قبض بحقه في 10 فبراير/شباط 2025 بصورة سرية، وصدر الأمر تحت تصنيف “سري” في 7 مارس/آذار 2025، قبل أن يعاد تصنيفه كوثيقة علنية بعد تنفيذ الاعتقال وتسليمه إلى لاهاي.

ويستند التعديل إلى مجموعة من الاعتبارات العملية والقانونية، أبرزها:

منع إفلات المطلوبين من العدالة، عبر تجنب منحهم فرصة للاختفاء أو التأثير على الأدلة والشهود قبل تنفيذ الاعتقال.
حماية حقوق الأشخاص قيد التحقيق، من خلال الحفاظ على سرية الطلبات إلى حين تقييمها قضائيا، بما ينسجم مع مبدأ قرينة البراءة.
حماية الضحايا والشهود، خصوصا في القضايا ذات الحساسية الأمنية المرتفعة، مثل الحالة في فلسطين (ICC-01/18)، حيث قد يؤدي الكشف المبكر عن الطلبات إلى تعريض أطراف القضية لمخاطر إضافية.
الحد من الضغوط السياسية والإعلامية، خاصة بعد التجربة التي رافقت إعلان المدعي العام السابق كريم خان، في مايو/أيار 2024، طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وما تبع ذلك من ردود فعل وضغوط دولية حادة.
وفي هذا السياق، يوفر التعديل الجديد غطاء إجرائيا يسمح للمحكمة بإدارة الملفات الحساسة بعيدا عن التأثيرات السياسية المباشرة، مع تعزيز فاعلية الإجراءات القضائية في مراحلها الأولى.

ثالثا: التعديل في سياق الحالة في فلسطين

تعود الحالة في دولة فلسطين إلى الإحالة المقدمة من دولة فلسطين في 22 مايو/أيار 2018. وفي 13 يوليو/تموز من العام نفسه، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى قرارا ألزمت فيه قلم المحكمة بإنشاء نظام دائم للإعلام والتوعية العامة لفائدة الضحايا والمجتمعات المتأثرة، مع تقديم تقارير دورية كل ثلاثة أشهر، بما يعكس الطبيعة المعقدة والحساسة للحالة الفلسطينية داخل المحكمة.
ويكشف التقرير الحادي والثلاثون لقلم المحكمة، الصادر في 12مايو/ أيار 2026، استمرار اعتماد مستويات مرتفعة من السرية، إذ لا يزال التقرير مصنفا بصفة سري بموجب المادة (23 مكرر/1) من لائحة المحكمة، بسبب احتوائه على معلومات حساسة.

كما يؤكد التقرير أن البيئة الأمنية المؤثرة على الأطراف المعنية لم تشهد تغيرا جوهريا، الأمر الذي حد من أنشطة التوعية المباشرة.

وفي السياق نفسه، أشار التقرير إلى تلقي عدد غير معلن من طلبات المشاركة في الإجراءات و/أو جبر الضرر، وجميعها قيد الترجمة من اللغة العربية.

ويعكس عدم الإفصاح عن الرقم اعتبارات أمنية واضحة، في ظل التخوف من توظيف هذه البيانات من قبل أطراف النزاع لأغراض سياسية أو استخباراتية، وهو ما يبرز خصوصية الحالة الفلسطينية، مقارنة بعدد من القضايا الأخرى أمام المحكمة.

وتجلت أهمية القاعدة (23 ثالثا) بصورة أوضح في حادثة مايو/أيار 2026، عندما نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تقريرا زعمت فيه أن مكتب المدعي العام أصدر، أو طلب إصدار، مذكرات اعتقال بحق عدد من المسؤولين الإسرائيليين، بينهم بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير.

وقد سارعت المحكمة، عبر المتحدثة الرسمية أريان ماييه، إلى نفي إصدار أي مذكرات اعتقال جديدة في الحالة في دولة فلسطين.

وتكشف هذه الواقعة عدة دلالات قانونية وسياسية مرتبطة بالتعديل الجديد. فمن جهة، تؤكد أن القاعدة الجديدة تجعل أي طلب محتمل خاضعا للسرية الإلزامية، بحيث لا يمكن الكشف عنه في هذه المرحلة. ومن جهة أخرى، يبرز الفارق الدقيق بين نفي “إصدار” مذكرات اعتقال، وعدم نفي احتمال وجود طلبات سرية قيد النظر، وهو فارق يعكس جوهر النظام الإجرائي الجديد.

كما تطرح الحادثة إشكالية التسريبات غير الرسمية، سواء جاءت من مصادر دبلوماسية أو قانونية أو إعلامية، في ظل تصاعد الحساسية السياسية المرتبطة بملف فلسطين.

وفي هذا الإطار، لا يمنع التعديل التسريبات بصورة مطلقة، لكنه يعزز الإطار القانوني لمساءلة أي جهة داخل المحكمة قد تخل بواجب السرية.

وتظهر أهمية التعديل أيضا عند مقارنته بما جرى في مايو/أيار 2024، عندما أعلن المدعي العام السابق كريم خان بصورة علنية طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وهو ما أدى إلى ضغوط سياسية وإعلامية واسعة.

أما بعد اعتماد القاعدة (23 ثالثا)، فإن أي طلب مماثل يفترض أن يقدم بصورة مختومة، بما يحد من الضغوط المبكرة ويعزز قدرة المحكمة على إدارة إجراءاتها بعيدا عن التأثيرات السياسية المباشرة، خصوصا في الملفات ذات الحساسية العالية مثل الحالة الفلسطينية.

رابعا: تحليل نقدي للآثار المترتبة على القاعدة (23 ثالثا)

يمثل التعديل، من الناحية الإجرائية، خطوة مهمة نحو تعزيز فاعلية عمل المحكمة الجنائية الدولية. فالإبقاء على طلبات أوامر القبض ضمن نطاق السرية يمنح الدول الأطراف فرصة أفضل لتنفيذ الاعتقالات دون إنذار مسبق، ويحد من احتمالات هروب المشتبه بهم أو إتلاف الأدلة أو التأثير على الشهود.

كما ينسجم هذا النهج مع العديد من الأنظمة القانونية الوطنية، خاصة في الأنظمة ذات التقليد الروماني-الجرماني، التي تعتمد السرية خلال مراحل التحقيق الابتدائي.

وفي المقابل، يثير التوسع في السرية جملة من الإشكاليات القانونية والسياسية. فالعلنية تشكل أحد المرتكزات الأساسية للمحاكمة العادلة، وتضمن ثقة الرأي العام في نزاهة القضاء وشفافية إجراءاته.

والإفراط في استخدام التصنيف السري قد يخلق انطباعا بأن المحكمة تعمل بعيدا عن الرقابة العامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ذات حساسية دولية عالية.

كما أن التعديل، رغم هدفه المعلن بحماية المحكمة من الضغوط السياسية، قد يتحول بحد ذاته إلى موضوع للصراع السياسي، سواء عبر اتهام المحكمة بالمبالغة في السرية، أو من خلال توظيف التسريبات الجزئية لخدمة روايات متعارضة.


وتبرز هذه الإشكالية بصورة أوضح في الحالة الفلسطينية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بمسائل إجرائية، بل أيضا بحق الضحايا والمجتمعات المتضررة في معرفة ما إذا كانت العدالة تتحرك فعليا.

فاستمرار تصنيف التقارير والتحديثات المتعلقة بالقضية بصفة سرية أو غير معلنة قد يولد شعورا بالإحباط لدى الضحايا، الذين يرون المحكمة حاضرة في الخطاب العام، لكن غائبة عن مشاركة المعلومات الجوهرية المتعلقة بمسار التحقيقات والتقدم القضائي.

خامسا: فلسطين بين سرية المحكمة وحق الضحايا في المعرفة

يمثل اعتماد القاعدة (23 ثالثا) تحولا مهما في البنية الإجرائية للمحكمة الجنائية الدولية، إذ ينقل مسألة سرية طلبات أوامر القبض من نطاق الممارسة القضائية غير الموحدة إلى إطار قانوني ملزم وواضح.

وفي الحالة الفلسطينية، بما تحمله من تعقيدات سياسية وأمنية واستقطاب دولي حاد، يبدو هذا التعديل أداة ضرورية لحماية سلامة التحقيقات وتعزيز فاعلية الإجراءات القضائية، خصوصا بعد التطورات التي شهدها مايو/أيار 2026، والتي أظهرت كيف يمكن للتسريبات أو التغطية الإعلامية غير الدقيقة أن تؤثر في البيئة المحيطة بعمل المحكمة.

ومع ذلك، فإن تعزيز السرية لا ينبغي أن يؤدي إلى تراجع مبدأ الشفافية أو إضعاف ثقة الضحايا والرأي العام بعمل المحكمة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في السرية بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها ضمن حدود الضرورة والتناسب، وبما يحافظ على التوازن بين فاعلية العدالة وحق الجمهور في المعرفة.

وفي الحالة الفلسطينية تحديدا، تكتسب هذه الإشكالية بعدا إنسانيا مضاعفا، إذ لا ينتظر الضحايا إجراءات قضائية فعالة فحسب، بل أيضا مؤشرات واضحة تؤكد أن العدالة الدولية لا تزال تتحرك في اتجاه المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، تبرز عدة توصيات عملية:

تطوير معايير إجرائية أكثر وضوحا لرفع السرية، بما يساعد على تحديد الحالات التي يبرر فيها الإعلان العلني حماية التحقيق أو تعزيز فرص تنفيذ أوامر القبض.
تعزيز التواصل المؤسسي مع الضحايا والمجتمعات المتأثرة، خاصة في الحالة الفلسطينية، عبر توضيح أسباب السرية وحدودها، من دون المساس بمضمون الإجراءات السرية أو سلامة التحقيق.
إجراء مراجعة دورية لأثر التعديل على فاعلية تنفيذ أوامر القبض، بما يسمح بتقييم ما إذا كانت السرية قد أسهمت فعلا في تحسين الأداء القضائي وتقليص حالات الإفلات من العدالة.
وضع آليات داخلية أكثر صرامة للتعامل مع التسريبات، في ظل ما قد تسببه من توظيف سياسي أو إعلامي يؤثر في استقلالية المحكمة وصدقيتها.
وفي المحصلة، فإن القاعدة (23 ثالثا) ليست مجرد تعديل تقني، بل تعبير عن محاولة المحكمة إعادة ضبط علاقتها بالبيئة السياسية والإعلامية المحيطة بعملها. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرهونا بقدرة المحكمة على استخدام السرية كوسيلة لحماية العدالة، لا كبديل عن الشفافية والمساءلة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى