رأي

المجنونان

علي أنوزلا – العربي الجديد:

نقل موقع أكسيوس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط تصاعد التوتر في لبنان، في محادثة حادّة صرخ فيها غاضباً: “ماذا تفعل بحق الجحيم؟ أنت مجنون”، قبل أن يضيف: “لولا وجودي لكنتَ في السجن. أنا أنقذك، الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسببك”.

كم مرة سمعنا مثل هذا الكلام، أو ما يعادله، عن نزاع بين ترامب وصديقه نتنياهو؟ وكم مرة قرأنا عن غضب ترامب أو قلقه، أو شعوره بأن صديقه خدعه أو خذله، أو حتى خانه؟ ألم يصرّح ترامب بعبارات مشابهة، عندما اعتقد أن نتنياهو خانه لأنه كان من أوائل رؤساء الحكومات الذين بادروا إلى تهنئة غريمه جو بايدن بالفوز في انتخابات 2020؟ يومها اعتبر ترامب هذا خيانة شخصية لم يجرؤ عليها، في نظره، حتى أكثر خصومه عداءً له، وهو الذي لا يزال مقتنعاً بأن تلك الانتخابات سُرقت منه وزُورت لصالح بايدن.

يومها أيضاً قال ترامب إنه شعر بالندم على كل ما قدمه لنتنياهو ولإسرائيل، أكثر من أي رئيس أميركي آخر، وإنه كوفئ بالنكران والجحود بدل الاعتراف بالجميل. لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ ما إن عاد إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024 حتى عاد إلى نهجه القديم في التقرّب إلى إسرائيل ومجاراة سياسات نتنياهو، الرجل الذي يكاد يحتكر السلطة في إسرائيل منذ ثلاثة عقود. فمنحه من الدعم ما لم يمنحه أي رئيس أميركي سابق، واستقبله في السنتين الماضيتين أكثر من سبع مرّات، وهو عدد غير مسبوق تقريباً لمسؤول أجنبي في مثل هذه المدة القصيرة. وفتح أمامه مخازن السلاح الأميركي، ومنحه كل المهل التي طلبها، وكلما انتهت مهلة مدّد له أخرى، لكي يواصل “مهمّاته”، أو بالأحرى جرائمه، في غزّة حيث الإبادة مستمرّة، وفي الضفة الغربية التي تتعرّض لعملية استنزاف وتطهير عرقي وتهجير متواصلة. كما منحه الضوء الأخضر لتدمير لبنان، واجتياح سورية وتدمير ما تبقى من جيشها وسلاحها، وسعى إلى جلب مزيد من الدول العربية إلى مسار التطبيع معه رغم سجل جرائمه وانتهاكاته المستمرة. بل إن ترامب نفسه وقع في الفخ الذي نصبه له نتنياهو عندما جرّه إلى المشاركة في العدوان على إيران، وهو الخيار الذي تجنبه جميع الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه. وهكذا وجد نفسه عالقاً في مأزق استراتيجي، لا هو قادر على إنهاء الحرب التي انخرط فيها، ولا هو قادر على المضي فيها إلى النهاية، بعدما استنزفت كثيراً من الموارد العسكرية والذخائر الاستراتيجية التي كانت واشنطن تراهن عليها. ومع هذا، ظلّ ترامب يحابي حليفه نتنياهو، ويلتمس له الأعذار، ويوفر له كل أشكال الحماية السياسية والدبلوماسية. وبسببه، دخل في مواجهة مع مؤسسات العدالة الدولية، فهاجم المحكمتين الجنائية والعدل الدوليتين، وفرض عقوبات على بعض قضاتها وكبار المسؤولين فيها، كما خاصم الأمم المتحدة ووكالاتٍ فيها، وانسحب من بعض الهيئات الدولية أو جمّد مساهماته فيها. وذلك كله من أجل توفير الغطاء لجرائم نتنياهو وحمايته من أي مساءلة أو محاسبة. بل إنه عمل على بناء تحالفات سياسية ودبلوماسية، هدفها الرئيسي منح الشرعية لتلك السياسات الإجرامية، مثل “مجلس السلام”، أو بالأحرى “مجلس الحرب”، وضغط على الدول المشاركة فيه رغما عنها للقبول بكل الجرائم التي ترتكب باسمها، وهي مجبرة على لاالصمت عنها. وما يجري في غزّة، حيث تستمر المأساة أمام أنظار العالم، ليس بعيداً عن هذا المناخ الذي جعل دولاً تفضّل الصمت على المواجهة، رغم إدراكها أن ما يرتكبه نتنياهو من جرائم يومية في غزّة والضفة الغربية ولبنان ما كان ليستمر بهذا الشكل، لولا الدعم الأميركي غير المحدود.

نتنياهو يحلم بإعادة رسم الشرق الأوسط وفق رؤيته، وترامب يحلم بإعادة ترتيب النظام الدولي وفق مصالحه وأهوائه

ليست الخلافات وارتفاع الأصوات والخصومات المتكررة بين ترامب ونتنياهو جديدة، وربما ليست ذات موضوع أو ذات مضمون حقيقي أصلاً. فالرجلان يتبادلان الأدوار أكثر مما يتواجهان، وكلاهما شريكان في السياسات والنتائج التي ترتبت عنها. فلولا السلاح والدعم السياسي الأميركيان، وأموال دافعي الضرائب الأميركيين، لما استطاع نتنياهو المضي بعيداً في مشاريعه وحروبه وجرائمه.

ليس نتنياهو وحده من يمكن وصفه بالمجنون سياسياً، فلترامب أيضاً جنونه الخاص؛ جنون تضخّم الذات، وجنون العظمة، وهوس القيادة والهيمنة وإخضاع الآخرين لإرادته. كلاهما أسير حلم شخصي كبير، أحدهما يريد أن يخلد اسمه باعتباره الرجل الذي أعاد تشكيل الشرق الأوسط، والثاني يريد أن يخلّد اسمه باعتباره الرجل الذي أعاد تشكيل العالم. وبسبب هذا الجنون المزدوج، أو هذا الزواج الغريب بين طموحين مجنونين بلا حدود، يعيش العالم واحدة من أكثر مراحله اضطراباً وعدم استقرار. فنتنياهو يحلم بإعادة رسم الشرق الأوسط وفق رؤيته، وترامب يحلم بإعادة ترتيب النظام الدولي وفق مصالحه وأهوائه. وعندما يلتقي الحلمان، أو الوهمان، تصبح الفوضى نتيجة طبيعية.

عالم مضطرب يقوده رجلان (ترامب ونتنياهو) يشكلان، في نظر كثيرين، أحد أكبر مصادر الخطر على الأمن والاستقرار الدوليين

نحن فعلاً أمام عالم مضطرب يقوده رجلان يشكلان، في نظر كثيرين، أحد أكبر مصادر الخطر على الأمن والاستقرار الدوليين. واستمرارهما في موقع القرار، وعلى رأس ترسانتين عسكريتين هائلتين، يجعل العالم رهينة مزاجيهما وتقلباتهما، لأن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ على وجه اليقين بخياراتهما المقبلة، كما أن أحداً لا يبدو مستعدّاً أو قادراً على وضع حد لهذا المسار المجنون.

الخطر الحقيقي لا يكمن في المشادّات الكلامية بين الرجلين، بل في أن العالم بات أكثر اعتياداً على منطق القوة وأقل حساسية تجاه كلفتها الإنسانية، فحين تصبح الحروب المتواصلة أمراً عادياً، وتتحوّل صور الدمار والضحايا والجرائم إلى مشهد يومي، يكون الخلل أعمق من مجرّد خلاف بين شخصين. لهذا لا ينبغي المبالغة في قراءة الخلافات الظاهرة بينهما باعتبارها مؤشراً على افتراق المسارين. فالتجربة أثبتت أن ما يجمع بينهما أكبر بكثير مما يفرّقهما، قد تتبدل النبرات، وترتفع الأصوات، وتتبادل الاتهامات، لكن الوقائع على الأرض تظل المعيار الحقيقي للحكم على طبيعة العلاقة الجنونية بينهما.

أما السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم اليوم فليس ما إذا كان الرجلان يختلفان أو يتصالحان، بل إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا النمط من الجنون في القيادة السياسية القائمة على المغامرة الدائمة واختبار الحدود القصوى للقوة. لذلك لا تثقوا كثيراً في خصومات المجانين. فهم قد يتشاجرون اليوم، ويتبادلون الاتهامات غداً، لكن جنونهم المشترك سرعان ما يعيدهم إلى الخندق نفسه. وما يبدو خلافاً عاصفاً قد لا يكون في النهاية سوى استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من جنون أكبر، وأكثر خطورة، وأشد كلفة على العالم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى