المال يفسد الجمهورية… والخوف يفسد الضمير

كتبت مزنة الشهابي, في العربي الجديد:
صدر الحكم بحقّ الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي: خمس سنوات سجن، بتهمة التآمر الجنائي وقبول أموال ليبية لتمويل حملته الانتخابية. للمرّة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة، يُدان رئيسٌ للجمهورية بجرم كهذا. بدا الأمر زلزالاً سياسياً، كشف الوجه العاري للعلاقة القديمة بين السلطة والمال، وكيف يمكن للفساد أن يتغلغل حتى يصل إلى قمة الدولة. لكن ما يلفت النظر عند متابعة تفاصيل القضية، ليس فساد المال والسياسة فقط، بل أيضاً ذلك الفساد الآخر، الصامت، الذي لا يتصدّر العناوين، ولا يدخل المحاكم، لكنّه ينهش أرواحنا كل يوم: إنه فساد الضمائر.
كتب إدوارد سعيد أن أخطر ما يمكن أن يصيب المثقّف أن يتعوّد على المراوغة: يعرف الحقّ، لكنّه يلتفت عنه. يرى الظلم، فيغضّ الطرف خشية أن يُتّهم بالمبالغة أو التسييس، أو خوفاً من خسارة مكانته في “التيار السائد”. المثقّف، كما قال سعيد، يصبح فاسداً حين يُسكِت صوته طلباً لاعتراف رسمي أو جائزة أو دعوة إلى لجنة مرموقة.
في فرنسا اليوم، نرى هذا الفساد في ما يتعلّق بفلسطين. إنه فسادٌ يتّخذ أشكالاً عدّة: صمت الإعلام حين تُقصف غزّة، غموض التعليقات التي تساوي بين الضحية والجلّاد، حذف السياق حين يبدأ التاريخ فجأة في 7 أكتوبر 2023، وكأن الاحتلال لم يكن قائماً منذ 1948، وكأنّ غزّة لم تُحاصَر منذ سبعة عشر عاماً، وكأنّ الضفة الغربية لم تُقطَّع أوصالها بالحواجز والمستوطنات.
والأخطر من الصمت التضليل. سمعنا من قال إن “7 أكتوبر أسوأ من 11 سبتمبر”، في مقارنة لا تهدف إلا إلى شيطنة شعب بأكمله، وزجّه في قفص “الإرهاب” العالمي. وسمعنا من يكرّر أن “الفلسطينيين جلبوا المأساة على أنفسهم منذ النكبة”، وكأنّهم كانوا يعيشون في فردوس، وكأنّ الاحتلال كان منظومة عدالة، وكأنّ الاستيطان لم يبتلع الأرض قطعة قطعة.
لا نحتاج فقط إلى قضاء يحاكم الفساد المالي. نحن في حاجة إلى ضمائر تحاكم الفساد الأخلاقي
لا يُقاس هذا الفساد بالملايين، لكنه يقتل المعنى؛ إنه فساد اللغة. حين تُسمّى المُستعمِرة “دولة ديمقراطية لها حقّ الردّ”، يُخفى وجه الجريمة. حين تتحوّل المجزرة “اشتباكاتٍ”، يُمحى دم الضحايا. وحين يُقدَّم الفلسطيني دوماً مسؤولاً أوّلَ عن مأساته، يُغتال الضمير قبل أن يُغتال الإنسان.
الأمثلة كثيرة. صحافيون أُبعدوا من مؤسّساتهم لأنهم تجرّؤوا على تسمية الأشياء بأسمائها. فنّانون أُلغيَت عروضهم لأنهم وقّعوا بياناً ضدّ قتل الأطفال في غزّة. باحثون يدرّسون مفهوم الأبارتهايد حين يتحدّثون عن جنوب أفريقيا، لكنّهم يتلعثمون إذا طُلب منهم وصف ما يحدث في فلسطين. كتّاب يُدعون إلى الحديث عن المنفى أو عن الذاكرة، لكن شرط الصمت عن فلسطين يرافقهم كظلّهم. إنها صورة أخرى للفساد، لكنّها لا تُرى بسهولة لأنها تختبئ في اللغة، في المساحات البيضاء بين الكلمات، في نصف الحقائق التي تُقال، في النصف الآخر الذي يُدفن.
أفسد المال الجمهورية مع ساركوزي. لكن الخوف أفسد الضمائر في قضية فلسطين. في الحالتَين، هناك خيانة للمبدأ. هنا، تُباع الجمهورية بالمال. هناك، تُباع الحقيقة بالصمت. وليس من المبالغة القول إن الفسادَين متشابهان: فكما تُباع السياسة في سوق الصفقات تُباع الكلمات في سوق الجوائز واللجان والبرامج التلفزيونية. كلاهما يتطلّب الصمت: صمت الرئيس أمام حقيبة المال، وصمت المثقّف أمام مجزرة تُبث على الهواء. إننا لا نحتاج فقط إلى قضاء يحاكم الفساد المالي. نحن في حاجة إلى ضمائر تحاكم الفساد الأخلاقي. أن نقول ما نراه، أن نشهد على ما نعرفه، أن ننحاز إلى ما هو عادل، ففلسطين ليست مجرّد قضية سياسية، إنها اختبار للمثقّف وللإنسان.
سيُذكر اسم ساركوزي لأنه فتح الباب على فضيحة مالية هزّت فرنسا. لكن سيُذكر أيضاً صمت مثقّفين وصحافيين وفنّانين، لأنه سمح باستمرار إبادة شعب وواحدة من أكبر المظالم في التاريخ الحديث. المال يشتري صمت دولة، والخوف يشتري صمت الضمير. وفي الحالتَين، الضحية واحدة: الحقيقة.




