القرن الأفريقى وصراع إعادة رسم خرائط القوة والنفوذ

السفير عمرو حلمي – المصري اليوم
يشهد القرن الأفريقى لحظة تحوّل فارقة تعيد صياغة توازناته الاستراتيجية، حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع تنافسات إقليمية ودولية محتدمة، بما يدفع المنطقة نحو حافة تصعيد قد يتجاوز حدودها الجغرافية. فالتوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، وتجدد الاشتباكات فى إقليم تيجراى، واعتراف إسرائيل ب«أرض الصومال» والتعاون الاستراتيجى بين إثيوبيا وأرض الصومال فى ضوء مذكره التفاهم الموقعة بين الطرفين فى يناير ٢٠٢٤، لا تمثل تلك مجرد وقائع متفرقة، بل تعكس مسارًا متسارعًا يهدف إلى إعادة رسم خرائط القوة على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، فى منطقة تُشكّل إحدى أهم العقد الجيوسياسية للتجارة العالمية وأمن الملاحة الدولية. ويكتسب الحراك الدبلوماسى المتسارع — بما فى ذلك زيارة رجب طيب اردوجان إلى أديس أبابا، والزيارة المرتقبة للرئيس الإسرائيلى إسحاق هيرتزوج لإثيوبيا — دلالات واضحة على الاهتمام المتزايد بالمنطقة بوصفها محورًا جيوسياسيًا مؤثرًا فى توازنات البحر الأحمر وأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وترتبط هذه التحولات مباشرة بالأهمية الجغرافية الاستثنائية للقرن الأفريقى، المشرف على مضيق باب المندب الرابط الحيوى بين المحيط الهندى والبحر الأحمر وقناه السويس والذى يمنح المنطقة ثقلًا استراتيجيًا كبيرًا. فاستقرار الملاحة فى المنطقة يمثل ضمانة لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر الحضور الدولى المتزايد والسعى المستمر لتعزيز النفوذ وحماية المصالح الاستراتيجية.
فى هذا السياق، تكتسب الطموحات الإثيوبية للحصول على منفذ على البحر الأحمر بعدًا أمنيًا حيويًا. فإثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تنظر إلى الوصول إلى البحر باعتباره ضرورة استراتيجية لضمان الاستقلالية التجارية وتعزيز المرونة الجيوسياسية. غير أن السعى إلى تحقيق هذا الهدف ينطوى على تعقيدات سياسية وأمنية عميقة، ويثير حساسيات جيوسياسية متعددة المستويات، خصوصاً فى ظل تمسك إريتريا بسيادتها على موانئها ورفض أى ترتيبات قد تمس الحدود أو تفتح الباب لإعادة رسم الخرائط.
وقد أدى توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع «أرض الصومال» فى يناير ٢٠٢٤، تتيح لإثيوبيا استخدام ميناء بربرة الواقع على ساحل البحر الأحمر لأغراض تجارية وبحرية إلى تصاعد التوتر مع الحكومة الفيدرالية فى الصومال، وإثارة مخاوف إقليمية بشأن إعادة تشكيل موازين النفوذ، حيث تتحول الموانئ والمنافذ البحرية إلى أدوات قوة استراتيجية. ويتزامن ذلك مع هشاشة الوضع الداخلى الإثيوبى، فى ظل تجدد التوترات فى إقليم تيجراى، بما يعكس ضعف التسوية التى أنهت الحرب واستمرار قابليتها للانفجار، إذ تكتسب تيجراى أهمية تتجاوز بعدها الداخلى نظراً لموقعها الجغرافى القريب من إريتريا والبحر الأحمر، ما يجعل استقرارها عاملاً مؤثراً فى أمن الممرات البحرية الحيوية وتوازنات الأمن الإقليمى الممتدة من البحر الأحمر إلى خليج عدن.
كما تُسهم علاقات أديس أبابا مع قوات الدعم السريع فى السودان فى تعقيد المشهد، فى ظل سعى إثيوبيا إلى إيجاد مناطق تموضع جديدة، وهو ما يتجلى فى إنشاء معسكرات لتدريب عناصر من «الدعم السريع» بالقرب من الحدود السودانية. وإلى جانب التوترات التاريخية مع إريتريا، تتزايد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات إقليمية متعددة المستويات. وفى ظل هذا التشابك، ترتفع احتمالات تداخل مسارح الصراع بين القرن الأفريقى وشرق السودان، بما قد يهدد سلامة الممرات البرية والبحرية المرتبطة بتدفقات التجارة والطاقة، ويحفّز الفاعلين الإقليميين والدوليين على تعزيز حضورهم العسكرى والبحرى فى واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية على مستوى العالم.
ويضيف الاعتراف الإسرائيلى بإقليم «أرض الصومال» بعدًا إضافيًا من التعقيد الاستراتيجى، إذ يمتد تأثيره إلى إعادة توزيع النفوذ على الموانئ والمسارات البحرية فى البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس سعيًا لتعزيز الحضور فى البيئة الإقليمية وربط التحالفات بمشروع أوسع لتأمين السيطرة على الممرات الحيوية، مع الأخذ فى الاعتبار تجربة إغلاق مضيق باب المندب خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣ ومقتضيات الحرب ضد الحوثيين. وفى الوقت نفسه، قد يشجع هذا الاعتراف بعض الحركات الانفصالية على تصعيد مطالبها، ما يضاعف هشاشة الدولة ويزيد المخاطر الاستراتيجية على الممرات البحرية والموانئ الحيوية، محولاً القضية من مسألة داخلية إلى محور تأثير إقليمى ودولى مباشر على أمن الطاقة والتجارة العالمية.
ويتزامن هذا المشهد مع تصاعد التنافس الدولى على البحر الأحمر باعتباره ممرًا حيويًا للطاقة والتجارة العالمية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى حماية طرق التجارة ومنع توسع النفوذ الصينى، وتعمل الصين على تأمين خطوط مبادرة الحزام والطريق، وتطمح روسيا إلى موطئ قدم بحرى، بينما تعزز انقره حضورها حيث تُدير تركيا قاعدة «تركسوم» فى مقديشو، وهى الأكبر لها فى الخارج وتمثل تلك القاعدة بوابة للنفوذ التركى فى القرن الأفريقى. هذا التشابك يحوّل القرن الأفريقى إلى ساحة مفتوحة للتنافس الاستراتيجى.
فى ضوء ذلك، يقف القرن الأفريقى اليوم عند مفترق طرق، حيث تتقاطع طموحات الدول الإقليمية مع مصالح القوى الكبرى، وتتداخل اعتبارات السيادة مع متطلبات الأمن البحرى العالمى. وبينما تبدو احتمالات الحرب الشاملة محدودة، فإن استمرار التوترات دون معالجة جذورها قد يدفع المنطقة نحو صراع بارد طويل الأمد يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات. وسيظل استقرار القرن الأفريقى مرهوناً بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على تحويل التنافس إلى توازن، والصراع إلى ترتيبات تعاون، قبل أن تتفاقم التوترات المتناثرة وتتحول إلى أزمة استراتيجية تهدد استقرار المنطقة بأسرها.




