رأي

الغرب يخسر حربين في وقت واحد.. والثقة المفرطة نقطة ضعفنا

فولفغانغ مونشاو – موقع “Unherd” البريطاني:

ترامب لا يمتلك استراتيجية للشرق الأوسط، تماماً كما يفتقر الأوروبيون إلى استراتيجية لأوكرانيا.

في الآونة الأخيرة، قلّت التقارير التي تتحدّث عن تحوّل في مسار الحرب الروسية – الأوكرانية، كما تراجعت تغريدات دونالد ترامب التي يهدد فيها إيران بدمار وشيك.

ومع انحسار هذه الضوضاء، بات الوقت مناسباً لنستمع إلى ما يحدث بالفعل؛ إذ لا أنباء ترد عن أي هجوم أوكراني، بل على العكس من ذلك، تتردد في الأرجاء أصداء الخطوات الثقيلة للجيش الروسي وهو يتوغل في أعمق أجزاء إقليم دونباس الواقعة شرقي أوكرانيا التي لم تخضع بعد لسيطرة فلاديمير بوتين.

وفي الوقت عينه، سيطر الحوثيون على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية الواقعة في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية. تقع هذه المدينة إلى الشمال مباشرة من مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وحتى الآن، لم يتمكن الحوثيون من عرقلة حركة الملاحة عبر المضيق، على غرار ما فعلته إيران في مضيق هرمز؛ إلا أنهم، وبعد الاستيلاء على المخا، سيطروا أيضاً على جزيرة “بريم” الواقعة في وسط باب المندب، الأمر الذي منحهم موقفاً أقوى بكثير لتهديد السفن العابرة. وإذا ما نجحوا في إغلاق المضيق، فستتمكن إيران وحلفاؤها من السيطرة على الممرات البحرية الحيوية الرئيسة في الشرق الأوسط.

وهذا ينذر بخطر اقتصادي جسيم يهدد الغرب؛ فقبل اندلاع الحرب، كانت الغالبية العظمى من النفط المُنتَج في شبه الجزيرة العربية تُنقل عبر مضيقَي هرمز وباب المندب. وفي الوقت الراهن، يتدفق نحو 400 ألف برميل من النفط السعودي يومياً عبر مضيق باب المندب، وهي كمية لا تشكل سوى جزء ضئيل من إجمالي الإنتاج. وعقب سيطرة الحوثيين على مدينة المخا، عاد سعر خام برنت -وهو المعيار العالمي لأسعار النفط- ليحوم حول مستوى 100 دولار للبرميل. ولا يمثل هذا الوضع صدمةً مؤقتة وحادة في أسعار النفط كتلك التي توقعتها الأسواق عند اندلاع الحرب مع إيران؛ إذ يحذر ليون بانيتا، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في عهد الرئيس أوباما، من السقوط في فخ “حرب أبدية” لا مؤشرات على حسمها في المدى القريب.

لقد قسّم الخبراء الاقتصاديون ومسؤولو البنوك المركزية التبعات الاقتصادية للحرب بدقة إلى 3 سيناريوهات: السيناريو الأساسي، والسيناريو السيئ، والسيناريو شديد الخطورة. ويمكنني وصف الوضع الراهن بأنه سيئ ويتجه نحو مرحلة شديدة الخطورة.

إن وصول سعر برميل النفط الخام إلى 100 دولار يترجم عموماً إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل وزيت التدفئة والكيروسين والمشتقات النفطية الأخرى. كما أن حلول شتاء قارس قد يؤدي إلى نقص في غاز التدفئة في ألمانيا، نظراً لأن مستويات التخزين في خزاناتها بلغت بالفعل أدنى مستوياتها التاريخية. والواقع أن سعر 100 دولار للبرميل ليس السعر الذي يتيح لاقتصاداتنا الغربية أن تعمل معه بسلاسة.

في المقابل، يُعد هذا السعر مستوىً يحقق أداءً ممتازاً للاقتصاد الروسي. وما يثير القلق أن النفط هو الرابط المشترك بين الحربين؛ فكلما طال أمد الحرب في إيران، زاد الدعم المالي لروسيا التي تعتمد في صادراتها بشكل رئيسيّ على النفط والغاز. ونتيجة لذلك، يلوح في الأفق سيناريو غير مرغوب فيه على الإطلاق: أن تخسر الولايات المتحدة حربها ضد إيران، وأن تخسر أوكرانيا معركتها لصالح روسيا.

لا تنتهي معظم الحروب بانتصارات حاسمة أو هزائم ساحقة. وتتمثل توقعاتي الرئيسة لكلا النزاعين في “تعادل فوضوي”: أي صفقة مشبوهة تتيح لإيران فرض رسوم مقابل المرور عبر المضيق، مع حصول ترامب وشركائه التجاريين على حصة من تلك العوائد. أما بالنسبة لأوكرانيا، فأنا أعرّف التعادل بأنه احتفاظ روسيا بالأراضي التي تحتلها حالياً وحصولها على ضمانات بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”. غير أنّ احتمالات حدوث نتيجة كارثية، من المنظور الغربي، باتت تتزايد.

فعلى سبيل المثال، ثمة خطر واضح يتمثل في احتمال انجرار دول أوروبية أخرى إلى أتون هذه الحرب، تماماً كما هي الحال بالنسبة لخطر التصعيد في الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، قد تندمج هاتان الحربان لتشكلا صراعاً أوراسياً أوسع نطاقاً، يتخذ شكل حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة والصين.

كما أشك في أن المجتمعات الهرمة في أوروبا الغربية تمتلك العزيمة اللازمة لخوض صراع طويل الأمد. فهذه الدول تضطر إلى الاقتراض للإيفاء بالمستويات المستهدفة لإنفاقها الدفاعي، كما أنها لا تملك فائضاً من الشباب المتحمسين لقتال الروس في حرب قد تشهد لاحقاً استخدام أسلحة نووية وكيميائية. وفي حال اندلاع الحرب، سيتعين تقليص أنظمتنا الضخمة لإعادة توزيع الثروات والدخل بشكل مؤلم، الأمر الذي سيدفع الملايين إلى براثن الفقر المدقع.

لذا، يبدو أن إرسال الأموال إلى أوكرانيا – من دون إرسال قوات عسكرية – يُعدّ خياراً أسهل؛ فقد تلقت أوكرانيا مئات المليارات من الجنيهات الاسترلينية كدعم عسكري ومالي من الغرب، إلا أن روسيا نجحت رغم ذلك في تجاوزها من حيث حجم الإنفاق. وعلى الرغم من أن روسيا شهدت ركوداً اقتصادياً قصيراً في وقت سابق من هذا العام، إلا أنها بدأت تتعافى اليوم، ويُعزى ذلك جزئياً إلى ارتفاع أسعار النفط.

وفي الوقت نفسه، تعاني الولايات المتحدة، وبالتالي أوكرانيا، من نقص في الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لإسقاط الصواريخ والمسيرات المهاجمة. وعلى الرغم من قدراتها العسكرية الهائلة، فإن الولايات المتحدة ليست مهيأة لخوض حرب طويلة الأمد؛ إذ تكمن نقطة ضعفها في سلاسل الإمداد. وينطبق الأمر ذاته على أوروبا، بحيث أدت عقود من تقليص الإنفاق الدفاعي إلى تراجع جاهزيتها العسكرية.

فعلى سبيل المثال، يمتلك الجيش البريطاني نحو 75 ألف جندي فقط، وهي قوة تتسم بالضعف إلى حد أنها لا تستطيع سوى “السيطرة على بلدة صغيرة في أحسن الأحوال”، وفقاً للعبارة الشهيرة للجنرال السير ريتشارد بارونز، القائد العسكري السابق والمشارك في إعداد المراجعة الدفاعية البريطانية الأخيرة.

أمام هذه المعطيات، ما الذي يجعلنا واثقين تماماً بقدرتنا على منع روسيا من تحقيق النصر في أوكرانيا؟ في المقابل، يفيض الروس ثقة بالنصر في الوقت الراهن، لدرجة أنهم لم يعودوا مهتمين حتى بالمشاركة في محادثات السلام.

وعندما زار ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لدونالد ترامب لمهام السلام، وجاريد كوشنر، صهر ترامب، الرئيس فلاديمير بوتين الأسبوع الفائت، تحولت الزيارة إلى موقف محرج ومثير للاستياء. فقد كان بوتين سعيداً باستقبالهما والاستماع إلى إشاداتهما المفرطة، لكنه لم يبدُ في عجلة من أمره لإبرام صفقة سلام، كما جاءت التغطية الإعلامية الروسية للزيارة لاذعة وقاسية؛ إذ كتب ديمتري دريز، المعلق السياسي في إذاعة “كوميرسانت إف إم”: “لقد سارت الزيارة وفق الصيغة النمطية المعتادة: وصول، فمطعم، فاستقبال في الكرملين… في وقت كنا نتطلع فيه إلى رؤية شيء أكثر أهمية من ذلك”.

من الواضح أننا تجاوزنا مرحلة التقارب الأميركي- الروسي التي ميزتها قمة “أنكوريج” بين ترامب وبوتين في آب/ أغسطس من العام الماضي؛ ففي ذلك الوقت، تسابقت النخب الروسية في كيل المديح لترامب، أما الآن فقد تغير الحال، وبدا بوتين بمظهر الرجل الواثق تماماً بقدرته على تحقيق النصر.

لقد أخطأ في تقديراته سابقاً وقد يكرر ذلك مجدداً؛ فقد كان غزوه لأوكرانيا في شباط/ فبراير 2022 كارثة وفوضى عارمة. ومع ذلك، أعاد الجيش الروسي تنظيم صفوفه، وباتت روسيا اليوم في موقف أقوى من خصمها.

غير أن فكرة الانتصار الروسي لا تزال مؤلمة للغاية، إلى درجة يصعب معها على الكثيرين في الغرب استيعابها أو مجرّد التفكير فيها. فإذا اعتبرنا أمراً ما “غير قابل للتصور”، فإننا نتجنب التفكير فيه؛ لكن الاستهانة بالعدو هي بالضبط السبيل لخسارة الحروب. وحتى بعد مرور 4 سنوات ونصف، ما زلت عاجزاً عن فهم الهدف الاستراتيجي للدعم الغربي لأوكرانيا؛ فأنا لا أشكك في المبدأ ذاته، لكنني لا أدرك بوضوح ما هو الغرض المقصود تحديداً من الناحية الاستراتيجية الملموسة.

ويُعد رادوسواف سيكورسكي، وزير الخارجية البولندي، واحداً من القلائل في أوروبا الذين يزعمون امتلاك استراتيجية؛ غير أن تصريحاته لا تبعث على الطمأنينة. فقد سبق له أن وصف هذه الاستراتيجية بأنها تقوم على استنزاف العدو، على غرار الطريقة التي هزمت بها قوات الحلفاء ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. إلا أن الوضع الراهن لا يقبل المقارنة بتلك الحقبة؛ إذ لم تعانِ روسيا من نقص حاد في الطاقة كما حدث لألمانيا آنذاك. ومن ثم، فإن فكرة الانتصار في معركة التحمل والصمود ضد بوتين في ظل ارتفاع أسعار النفط تبدو ضرباً من التفاؤل المفرط.

في الأسبوع الماضي، زعم سيكورسكي في مقابلة منفصلة أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكبر بـ9 إلى 10 أضعاف من اقتصاد روسيا. وهذه ليست مجرد إحصائية خاطئة، بل تقييم خاطئ لحجم روسيا، يصل إلى حد المغالطة التاريخية التي أوقعت نابليون. صحيح أن الاتحاد الأوروبي يبدو أكبر بكثير عند القياس بالدولار، ولكن نظراً لعزل روسيا عن أسواق الدولار، فإن هذا ليس معياراً ذكياً لتقييم الحجم النسبي. إن أفضل طريقة لمقارنة أنفسنا بدولة مثل روسيا أو الصين أو إيران – ولا سيما للأغراض العسكرية – تتمثل في الاعتماد على معيار القوة الشرائية، أي القيمة الفعلية لما نحصل عليه مقابل كل وحدة نقدية يجري إنفاقها. ووفقاً لهذا المعيار، لا يتجاوز حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي 3 أضعاف حجم الاقتصاد الروسي. وحتى هذه النسبة لا تمنحنا الصورة الحقيقية كاملة؛ لأن الاتحاد الأوروبي لا يخصص سوى نسبة ضئيلة جداً من ناتجه الاقتصادي لمساعدة أوكرانيا، في حين يخصص بوتين جزءاً أكبر بكثير لدعم جهوده الحربية.

ولا تبدو المؤشرات العسكرية أكثر تفاؤلاً؛ إذ يمتلك الاتحاد الأوروبي نحو 1.3 مليون جندي عامل في الخدمة، وهو العدد نفسه تقريباً الذي تمتلكه روسيا. غير أنه على صعيد الإنتاج العسكري، تتفوق روسيا على الاتحاد الأوروبي بفارق شاسع؛ فعلى سبيل المثال، تنتج روسيا 3.4 ملايين قذيفة مدفعية ثقيلة “هاوتزر” سنوياً، وهو رقم يفوق بكثير القدرة الإنتاجية السنوية المتوقعة للاتحاد الأوروبي والبالغة مليونَي قذيفة. وينطبق الأمر ذاته على فئات الأسلحة الأخرى أيضاً.

وقد صرّح ترامب في شهر آذار/ مارس الماضي بأن البيت الأبيض يتوقع أن تستمر الحرب لمدة تراوح بين 4 و5 أسابيع. إلا أن المؤرخين سبق لهم أن شهدوا مثل هذا النوع من الأوهام؛ فعندما أشعلت ألمانيا فتيل الحرب العالمية الأولى في آب/ أغسطس 1914، قال القيصر فيلهلم لقواته بكل ثقة: “ستعودون إلى دياركم قبل أن تتساقط أوراق الأشجار”. وما نشهده اليوم هو المعادل الحديث لتلك النظرة، والمتمثل في الادعاء بأن هزيمة روسيا وإيران أمر سهل لمجرد أننا أكثر ثراءً منهما بكثير.

خلاصة القول هي أن ترامب لا يمتلك استراتيجية للشرق الأوسط، تماماً كما يفتقر الأوروبيون استراتيجية لأوكرانيا. صحيح أننا نتمتع بالثروة والملاءة المالية التي تتيح لنا مواصلة دعم أوكرانيا ومواجهة إيران لفترة أطول قليلاً، إلا أنني لا أرى، في كلتا الحالتين، أي مسار نحو النصر؛ فنحن لسنا مستعدين لترجمة أقوالنا إلى أفعال ملموسة عبر توظيف أموالنا ونشر قواتنا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى