رأي

 العمل الحر الرقمي شريان حياة لسكان غزة.. “إسرائيل” تقطعه

شهد علي – موقع “Truthout” الأميركي:

يواجه العاملون المستقلون في غزة بنية تحتية مدمرة وقيوداً إسرائيلية خانقة.

قبل اندلاع الحرب على غزة عام 2023، أصبح العمل الحر شريان حياة لآلاف الغزيين. فقد كان من الوسائل القليلة التي تمكنهم من التواصل مع العالم الخارجي والحصول على وظائف تدرّ عليهم دخلاً يفوق أضعاف ما هو متاح محلياً. ووفقاً للأمم المتحدة، كان نحو 12 ألف شخص في غزة يكسبون رزقهم من خلال العمل الحر عبر الإنترنت قبل الحرب.

على الرغم من انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وضعف خدمة الإنترنت، أظهر سكان غزة صموداً ملحوظاً. تجلى ذلك في نمو حاضنات الأعمال التي وفرت للشباب الفلسطيني في غزة تدريباً مكثفاً على المهارات الأكثر طلباً في السوق العالمية، بما في ذلك البرمجة، والتصميم الغرافيكي، وكتابة المحتوى، والتسويق الرقمي. كما عرّفت هذه الحاضنات المشاركين على منصات العمل الحر الرئيسية، مما مكّنهم من تقديم خدماتهم لعملاء في جميع أنحاء العالم.

شخصياً، أتيحت لي فرصة الانضمام إلى برنامج تدريبي خلال سنتي الثانية في الجامعة في إحدى هذه الحاضنات. بعد إتمام البرنامج، حصلت على عدة عقود عمل حر في مجال الكتابة مع شركات في الخليج. مكّنني الدخل الذي جنيته من دفع رسوم دراستي الجامعية وتحقيق الاستقلال المالي في وقت كان فيه إيجاد وظيفة محلية شبه مستحيل.

الآن، ألحقت الحرب على غزة دماراً هائلاً بهذا القطاع، إذ دمّرت الأسس التي يعتمد عليها. منذ الأيام الأولى للحرب، قطعت السلطات الإسرائيلية إمدادات الوقود وأوقفت تشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة. يعتمد معظم السكان حالياً على ما تبقى من ألواح الطاقة الشمسية ومولدات الديزل التي تُشغلها جهات خاصة لتوفير الكهرباء. إلّا أنّ ألواح الطاقة الشمسية غالباً ما تعجز عن توفير الطاقة الكافية، لا سيما خلال فصل الشتاء وفترات الطقس الغائم. في الوقت نفسه، أصبحت الكهرباء المولدة بواسطة مولدات الديزل باهظة الثمن بشكل لا يُطاق بسبب ارتفاع أسعار الوقود، حيث يبلغ سعر الكيلوواط/ساعة الواحد نحو 8 دولارات.

كما دمرت الحرب أكثر من 50% من شبكات الإنترنت وخطوط الاتصالات في غزة، وفقاً لوزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي الفلسطينية. ونتيجة لذلك، أصبحت خدمات الإنترنت في جميع أنحاء غزة غير موثوقة بشكل متزايد، مع انقطاعات متكررة.

في الوقت نفسه، تحولت مراكز التكنولوجيا الرئيسية وحاضنات الأعمال إلى ركام، بينما دُمرت أو أُحرقت أو صودرت أعداد لا حصر لها من أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية خلال التوغلات البرية الإسرائيلية. وقد تفاقم الوضع بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الأجهزة الإلكترونية إلى غزة. تصنف “إسرائيل” العديد من الأجهزة الإلكترونية، بما في ذلك الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وقطع الغيار، على أنها مواد “ذات استخدام مزدوج” يُحتمل استخدامها لأغراض عسكرية، مما يفرض قيوداً مشددة على دخولها إلى القطاع.

ومما يزيد من هذه المعاناة، أنّ القيود الإسرائيلية على التحويلات المالية الدولية جعلت من شبه المستحيل على العاملين لحسابهم الخاص في غزة استلام مدفوعاتهم مباشرة. ونتيجة لذلك، اضطروا إلى الاعتماد على مكاتب تحويل الأموال للوصول إلى أرباحهم، وغالباً ما تفرض هذه المكاتب عمولات مرتفعة للغاية – تتراوح عادةً بين 15 و20% من المبلغ المدفوع. هذا يعني أنّ العاملين لحسابهم الخاص يفقدون جزءاً كبيراً من دخلهم لمجرد أنّ أصحاب العمل غير قادرين على تحويل المدفوعات مباشرة إلى حساباتهم المصرفية.

وقد أدت هذه التحديات إلى تعقيد العمل في قطاع العمل الحر بشكل كبير، مما تسبب في فقدان آلاف الغزيين لوظائفهم حيث حُرموا من الوسائل الأساسية التي سمحت لهم بمواصلة عملهم في هذا المجال.

أخبرني محمد سلطان، 22 عاماً، وهو مبرمج مستقل، أنه قبل بدء الحرب في غزة، حصل على عقود عمل حر مع شركات التكنولوجيا الرائدة في الخليج وأوروبا: “لقد عملت في أكثر من 10 مشاريع عندما كنت طالباً. وفي بعض الأشهر، كسبت ما يصل إلى 600 دولار، مما ساعدني على إعالة أسرتي مالياً”. قال سلطان إنّ الحرب الأخيرة على غزة دمّرت كل ما عمل بلا كلل على بنائه. 

وروى: “منذ الأيام الأولى للحرب، لم يعد بإمكاني الحصول على الكهرباء أو الإنترنت لمواصلة عملي. كما أن الضغط النفسي الهائل الذي تعرضت له، بما في ذلك فقدان منزلي وأبي والنزوح المتكرر، منعني أيضاً من الحفاظ على تركيزي وشغفي المهني. وعندما استقرينا أخيراً في خيمة في المواصي بخانيونس، وجدت مكاناً مجاوراً مجهزاً بالكهرباء والإنترنت. وتمكنت أيضاً من استعادة جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي من تحت الأنقاض واستبدال شاشته المكسورة، الأمر الذي كلفني 200 دولار. كنت على استعداد للعودة إلى العمل، لذلك اتصلت على الفور بالشركات والعملاء الذين تعاونت معهم سابقاً. إلا أنني اكتشفت أنّ الكثيرين ألغوا مشاريعهم معي بسبب انقطاع الاتصالات لفترة طويلة. لقد اضطررت إلى إعادة بناء ملفي الشخصي وشبكتي المهنية من الصفر حرفياً. لم يكن لدي خيار سوى الاستمرار في المحاولة، خاصة بعد أن فقدت والدي، المعيل الرئيسي للأسرة، بينما أواجه أيضاً ندرة فرص العمل المحلية، خاصة بعد الحرب”.

آية أبو ميسلة، 25 عاماً، مصممة غرافيك مستقلة وكاتبة محتوى، أخبرتني أيضاً أنه على الرغم من الظروف القاسية التي عانت منها خلال الحرب، إلا أنها اضطرت لمواصلة عملها الحر لأنها في أمس الحاجة إلى الدخل. قالت لي: “كنت أمشي كل يوم أكثر من كيلومترين حاملاً حقيبة ثقيلة تحتوي على حاسوبي المحمول ومعدات أخرى فقط للوصول إلى أقرب مكان عمل. على الرغم من أنني خسرت جزءاً كبيراً من أرباحي بسبب العمولات المرتفعة التي تفرضها مكاتب تحويل الأموال مقابل تلقي المدفوعات نيابةً عني، وكان علي أيضاً أن أدفع 100 دولار شهرياً لاستخدام مساحة العمل، إلا أنني واصلت العمل لأنه كان أفضل من عدم وجود دخل على الإطلاق. لقد مكنني على الأقل من توفير الضروريات الأساسية”.

لكن أبو ميصلح قالت إنها فقدت وظيفتها نهائياً بعد أن تضرر حاسوبها المحمول الذي كانت تعتمد عليه في عملها بشكل لا يمكن إصلاحه بسبب انقطاع التيار الكهربائي أثناء الشحن، مما أثر على مكوناته الإلكترونية الداخلية. وقالت لي: “بمجرد أن تضرر حاسوبي، شعرت وكأن حياتي توقفت فجأة. حاولت شراء حاسوب جديد، لكنني لم أستطع لأن الحواسيب المحمولة أصبحت نادرة للغاية وباهظة الثمن، حيث يتجاوز سعر بعضها ألف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرتي بكثير. لقد فطر قلبي أن أفقد جميع العقود التي حصلت عليها ومصدر دخلي الرئيسي، الذي ساعدني أنا وعائلتي على البقاء، لمجرد أنني لم أستطع تحمل تكلفة استبدال حاسوبي”.

تُعد أبو ميصلح وسلطان مثالين على آلاف الغزيين الذين تعطلت حياتهم المهنية الحرة بسبب الحرب. رغم إعادة فتح بعض مساحات العمل المشتركة وحاضنات الأعمال في غزة، وتوفيرها للعاملين المستقلين موارد أساسية كالاتصال بالإنترنت والكهرباء، ومساحة تمكنهم من مواصلة أعمالهم والتواصل مع عملائهم، إلا أنّ هذه الجهود لم تكن كافية للتغلب على التحديات الجسام التي يواجهونها نتيجة للقيود الإسرائيلية.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تشهدها غزة، حيث بلغت نسبة البطالة نحو 80%، ينظر العديد من العاملين المستقلين إلى هذه القيود على أنها محاولة إسرائيلية لإغلاق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام شباب غزة للتغلب على عزلتهم الجغرافية وتحقيق مستوى أساسي من الاستقلال المالي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى