رأي

الضفة الغربية اليوم.. احتلال وواقع اقتصادي واجتماعي صادم

كتب إيوان ماكاسكيل, في صحيفة “الغارديان” البريطانية:

مراسل “الغارديان” يزور الضفة الغربية بعد عشرين عاماً من زيارته الأخيرة، ويقول إنّه صُدم من مدى سوء الوضع اليوم.

في الشهر الماضي، نُشِرَ فجأة أعلام إسرائيلية بجانب أحد الطرق السريعة في الضفة الغربية الفلسطينية، حيث وُضع أكثر من 1,000 علم، بمسافة تقارب 30 ياردة بين كل علم وآخر على جانبي الطريق، ممتدة لمسافة تقارب 16 كيلومتراً، جنوب مدينة نابلس، بالقرب من قرى فلسطينية تتعرض باستمرار لهجمات من قبل مستوطنين إسرائيليين متطرفين. وفي صباح اليوم التالي لوضع الأعلام رأيتها في طريقي لزيارة تلك القرى، وكانت الرسالة واضحة وصدى لما يكتبه المستوطنون على الجدران في جميع أنحاء الضفة الغربية، “لا مستقبل لكم في فلسطين”.

مقارنةً بنحو 70 ألف فلسطيني قُتلوا في غزة، وأكثر من ألف ضحية في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا تُعدّ هذه الأعلام سوى استفزاز بسيط. لكنها تعكس مدى هيمنة “إسرائيل” على الضفة الغربية، وهي أرض معترف بها دولياً كأرض فلسطينية. وخلال الانتفاضة “الانتفاضة” الفلسطينية الثانية بين أعوام 2000 و2005، لم يكن المستوطنون الإسرائيليون ليخاطروا برفع مثل هذه الأعلام، خوفاً من تعرّضهم لإطلاق نار من الفلسطينيين، أما الآن، فالوضع مختلف.

عُدت إلى الضفة الغربية في الشهر الماضي بعد 20 عاماً على زيارتي الأخيرة، حيث كنتُ أزورها آنذاك بانتظام بصفتي مراسلاً لصحيفة “الغارديان”، واساهم بمساعدة زملائي المقيمين في القدس الذين كانوا يغطون “الانتفاضة الثانية”، والتي كانت أشد عنفاً بكثير من “الانتفاضة الأولى” التي امتدت من عام 1987 إلى عام 1993، حيث كانت صورتها الراسخة يتصدرها شبان فلسطينيون يرشقون الجنود الإسرائيليين بالحجارة.

أما الثانية فكانت مواجهة شاملة، حيث شنت “إسرائيل” هجمات على المدن والبلدات الفلسطينية بالمدفعية والدبابات والمروحيات والطائرات، بينما رد الفلسطينيون بالبنادق والمتفجرات، ونصبوا كمائن للجنود والمستوطنين في الضفة الغربية، مما جعل الطرقات محفوفةً بالمخاطر، خاصةً في الليل، وروّعوا “إسرائيل” بإرسال “انتحاريين” عبر حدودها لمهاجمة مواقف الحافلات والمقاهي والفنادق وأي مكان آخر مزدحم، بينما قُتل أكثر من 3000 فلسطيني، وأكثر من 1000 إسرائيلي.

لم تكن نيتي الكتابة عن رحلتي إلى الضفة الغربية الشهر الماضي، لكنني بدلت رأيي عندما رأيت مدى تدهور الحياة اليومية للفلسطينيين، ومدى اليأس الذي أصابهم، وضراوة سيطرة “إسرائيل” ومستوطنيها على الشعب الفلسطيني.

كنت أتوقع أن تكون أوضاع الفلسطينيين سيئة، لكن ليس بهذا السوء. كذلك، تلقيت دعوةً إلى حضور مؤتمر في جامعة بيرزيت على مشارف مدينة رام الله، بتنظيم من “بروغريسيف إنترناشونال”، وهو تحالف غير رسمي يضم منظمات وأفراداً يساريين من مختلف أنحاء العالم، تأسس عام 2020 على يد شخصيات بارزة، من بينهم وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، والسيناتور الأميركي بيرني ساندرز.

وقد نُظّم المؤتمر تحت عنوان إنهاء الاستعمار في فلسطين، بالاشتراك بين “بروغريسيف إنترناشونال” و”مركز التفكير الفلسطيني _ الشبكة”، و”معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية”، وطلاب جامعة بيرزيت أصحاب التاريخ الطويل من الاحتجاجات والمواجهات مع القوات الإسرائيلية، حيث تعرض حرم الجامعة لمداهمات متكررة من قبل هذه القوات خلال العامين الماضيين.

بعد المؤتمر، انطلق بعض الحضور في جولة في أنحاء الضفة الغربية، بينما تساءلتُ عن سبب عدم اشتعال انتفاضة فلسطينية في الضفة الغربية تُضاهي “الانتفاضة الثانية”، تضامناً مع إخوانهم في غزة. وهو ما أفضى إلى سؤال آخر عن حجم الدعم الذي تحظى به حركة “حماس” في الضفة الغربية، وعما إذا كان أي فلسطيني يعتقد أنَّ قيام دولة فلسطينية مستقلة أمرٌ واردٌ في العقود القليلة المقبلة، ولقد تنوعت إجابات الفلسطينيين وتشعبت، لكنها أبرزت مواضيع مشتركة، مثل مدى الإحباط الذي أصابهم، ومدى ابتعاد احتمال قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

بدت مدينة رام الله المركز السياسي والثقافي والاقتصادي للضفة الغربية، أنظف وأقل فوضوية، وفي بعض الأماكن أكثر ازدهاراً مقارنة بآخر مرة زرتها فيها، ولم تكن مختلفة كثيراً عن العديد من المدن الأوروبية، حيث تنتشر اللوحات الإعلانية التي تروج للمطاعم ومحلات الشوكولاتة المتخصصة وافتتاح صالات رياضية جديدة، بينما بعض الشباب يهتمون بالموضة، ويتبادلون الأحاديث في المقاهي والحانات. ووفقاً لبعض أفراد الجيل الأكبر سناً، فالشباب عموماً أقل اهتماماً بالشؤون السياسية.

ومع ذلك، فإن هذا الجو من الحياة الطبيعية والازدهار يحمل خداعاً مضاعفاً. فأولاً، رام الله ليست نموذجاً لبقية مناطق الضفة الغربية. وثانياً، أحد الأسباب التي تجعل رام الله تبدو مختلفة وأقل فوضوية هو غياب العديد من سكان القرى المحيطة الذين اعتادوا أن يصطفوا على جانبي شوارع المدينة لبيع حصادهم من الفاكهة والخضروات. وبسبب اتساع شبكة الحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية التي تجعل الرحلة غير مؤكدة، توقف كثير من المزارعين عن القدوم إلى رام الله. فهذه العقبات تشكل رادعاً ليس فقط للمزارعين، بل أيضاً للتجارة والأعمال بشكل عام في جميع أنحاء الضفة الغربية.

في نهاية الانتفاضة الثانية، كان هناك، وفقاً للأمم المتحدة 376 حاجزاً ونقطة تفتيش إسرائيلية في الضفة الغربية. أما اليوم، فيُقدّر عددها بنحو 849، وقد أُقيم العديد منها خلال العامين الماضيين. تُعدّ نقاط التفتيش والحواجز موضوعاً شائعاً في أحاديث الفلسطينيين، بالطريقة نفسها للحديث عن الطقس في المملكة المتحدة. ورغم أنَّ تطبيقاً يوفّر معلومات يُقدّمها سائقو الحافلات ومستخدمو الطرق الآخرون يُساعد، إلا أنَّه لا يُشكّل ضمانة أنَّ الطرق ستكون مفتوحة كما اكتشفتُ بنفسي. كذلك يرمزُ الاحتلال الحواجز المعدنية بالألوان، حيث الحمراء تكون مُغلقة معظم الوقت، أما الصفراء فغالباً ما تكون مفتوحةً. كما أنَّ لوحات المركبات الإسرائيلية الصفراء تتيح لحامليها الوصول إلى طرق يُحظر على من يقودون بلوحات فلسطينية خضراء استخدامها.

ولقد أصبحت توغُّلات الجيش الإسرائيلي إلى وسط مدينة رام الله أكثر شيوعاً خلال العامين الماضيين، حيث الجنود الإسرائيليون يقومون باقتحامات بأعداد كبيرة، ويعتقلون عدداً من الفلسطينيين ثم يغادرون. وفي مداهمة جرت في آب/أغسطس الماضي، استهدفوا محلّاتِ الصرافة، ونفَّذوا 5 اعتقالات، ووفقاً للسُكّان أُصيب أكثر من 12 فلسطينياً بالذخيرة الحية أو الرصاص المطاطي أو الغاز المسيل للدموع.

وخلال توغُّل كبير في عام 2002، سيطرت “إسرائيل” على جزء كبير من المدينة. وقد اقتحمت دبّاباتها وجرّافاتها المجمع الرئاسي، مما أدَّى إلى تدمير جزء كبير منه ومحاصرة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، داخل غرف ضيقة ومُظلمة احتجز فيها حتى قبيل وفاته في عام 2004، وهي بقيت على حالها كما تركها عرفات، لتُشكّل جزءاً من ضريح ومتحف القائد الفلسطيني. وتُعتبر بقايا المجمع رمزاً للتحدي، من زمن كان فيه الفلسطينيون مُوحَّدين ملؤهم الأمل.

من مكتب رئيس بلدية بيت لحم يمكن رؤية كنيسة المهد، والدرجات المؤدّية إلى المغارة التي يحتفل بها المسيحيون كمكان ميلاد السيّد المسيح. وفي عام 2002، خلال “الانتفاضة الثانية”، فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً على الكنيسة لمدة 39 يوماً، وأطلقت النار على المسلحين الفلسطينيين المُتحصّنين داخلها، بينما قلَّة من السياح يدركون أنَّ بالقرب من درجات المغارة، تُركت جثامين الفلسطينيين القتلى لتتعفَّن. يضيف قنواتي وهو مسيحي تعيش عائلته في بيت لحم منذ القرن 17، ويمتلك متجر “الأقواس الثلاثة” أحد أكبر موردي الهدايا التذكارية عن فلسطين، “ليس هناك الكثير من السياح في هذه الأيام، فالسياحة تراجعت إلى ما يقارب الصفر خلال العامين الماضيين”.

وليست السياحة وحدها هي التي تعاني، فاقتصاد الضفة الغربية ككل في حالة سيئة للغاية. وعلى أساس نصيب الفرد، انخفض الدخل بنسبة 20%، وتدور مُعدَّلات البطالة حول 33%. زيادة على ذلك، وبينما يعاني السُكّان، فإنَّ السلطة الفلسطينية، المسؤولة اسمياً عن إدارة الضفة الغربية والتي تديرها حركة “فتح”، أصبحت مُرادفةً للفساد، والاختلاس، والعقود المشبوهة، والمحسوبية. والفلسطينيون الذين تحدَّثت إليهم كانوا غاضبين من الطريقة التي تُمنح بها الوظائف حيث غالباً ليس على أساس الجدارة، بل على أساس الروابط العائلية، أو العلاقات، أو الرشاوى، أو الانتماء السياسي.

وليس من الصعب إيجاد أمثلة على ذلك. فبينما كنت أتجوَّل في وسط مدينة طولكرم، شمال الضفة الغربية، تحدثتُ إلى بائع متجول، قال إنَّه كان طالباً مُتفوّقاً في الجامعة، وحصل على شهادة في القانون، وأظهر بفخر بطاقة عضويته في نقابة المحامين الفلسطينيين، لكنه يعمل في كشك لبيع الفواكه والخضراوات، فهو ببساطة لا يملك معارف داخل السلطة الفلسطينية تُمكّنه من العمل في مجال القانون.

أخطر تغيير طرأ منذ زيارتي الأخيرة للمنطقة هو توسُّع المستوطنات الإسرائيلية، حيث يعيش في الضفة الغربية نحو 3.3 مليون فلسطيني، من ضمنهم 435,000 في القدس الشرقية. وقد ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين من 400,000 في وقت “الانتفاضة الثانية” إلى أكثر من 700,000 اليوم. ومع ذلك، فإنَّ هذه الأرقام لا تعكس مدى التوغُّل الاستيطاني وتأثيره الخانق، حيث تحتلُّ المستوطنات المزيد من قمم التلال المطلة على المدن والبلدات والقرى، بل وتقام أحياناً في وسطها، خلف الجدران والأسلاك الشائكة، وغالباً على بعد أمتار قليلة من منازل الفلسطينيين، وتحظى بحماية الجنود الإسرائيليين.

خلال “الانتفاضة الثانية”، أجريت مقابلة مع زعيم مستوطنة صغيرة في وسط مدينة الخليل، التي كان سُكّانها من الفلسطينيين بأغلبية ساحقة. وعندما سألته عن رأيه في الفلسطينيين، أجاب بأنَّهم “حيوانات”. وعندما أخبرته أنني سأقتبس تصريحه، لم يحاول التراجع عنه. لم أستطع قط أن أتخلص من ذكرى ذلك الاستخفاف العابر. لكن يبدو أنَّ هذا الموقف أصبح مُتواضعاً مقارنةً بما يحدث اليوم، حيث يقوم المستوطنون، بتشجيع من المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية، بمضايقة الفلسطينيين بوتيرة ووحشية متزايدتين، ويجتاحون القرى من دون عقاب، ويرهبون الفلسطينيين في محاولة لدفعهم إلى الرحيل.

على بعد نحو 16 كيلومترا من الخليل، تقع قرية أم الخير الجبلية، التي اشتهرت بمواجهات عنيفة مع المستوطنين، يقول عيد سليمان الهذالين، وهو بدوي فلسطيني وناشط مجتمعي من القرية، إنَّ البدو اشتروا الأرض عام 1952، لكنَّ المستوطنين والجيش الإسرائيلي يشنُّون حملات مستمرة ضدهم. وقد هُدمت منازل فلسطينية بينما تتوسّع المستوطنات، حيث ظهرت 7 منازل متنقلة جديدة بين عشية وضحاها منذ نحو شهرين في وسط القرية، في حين صدر أمر إسرائيلي بهدم 14 منزلاً فلسطينياً. وتخضع القرية، كغيرها من مناطق الضفة الغربية، لمراقبة مستمرة من الكاميرات والمركبات العسكرية والطائرات المسيرة. وبينما كنّا نتحدث، وصل جنود إسرائيليون. وقبل ساعة، أجلي نشطاء سلام إسرائيليون كانوا قد حضروا تضامناً مع القرويين، بعد أن أعلن الجنود الموقع منطقة عسكرية، كما ذكر الهذالين، بينما قال الجنود أنَّ المكان الذي كنا نقف فيه أصبح الآن منطقة عسكرية مغلقة.

في القرى الفلسطينية جنوب نابلس، أفاد ممثلو التعاونيات الزراعية والمنظمات النسائية عن هجمات شنّها مستوطنون ينزلون من قمم التلال لضربهم وتدمير ممتلكاتهم ونشر مسحوق أبيض سامّ يقضي على المحاصيل. وفي إحدى القرى، ابتكر المزارعون طرقاً ذكية لمواجهة ذلك، فبدأوا بزراعة الخضراوات في براميل مملوءة بتربة غير ملوثة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى