رأي

الصين وأميركا.. الشراكة الاستراتيجية بديلًا عن القطبية

د. علي الخشيبان – الرياض:

زيارة ترمب عمليًا لم تكشف شيئًا جديدًا، فلغة الحكومة الصينية لم تتغير، وشعارها الأزلي مازال موجودًا في تلك الزيارة، فرسالة بكين الدائمة لأميركا: «نحن بحاجة إلى الاحترام والتفاهم المتبادلين»، هذا هو مضمون خطاب الرئيس الصيني عندما حذّر من فخ (ثوسيديدس)، وعندما دعا إلى الشراكة بين واشنطن وبكين..

السؤال الأهم خلف زيارة ترمب للصين في مايو 2026م يدور حول قدرة الشراكة الاستراتيجية بين أميركا والصين على تبني مواقف وبدائل مباشرة للتنافس والصراع القطبي، عبر استبدال الأفكار الداعية إلى تبني مسار المواجهة إلى مسارات أكثر سلاما بحيث تتمكن أميركا والصين من السيطرة على المخاطر الجيوسياسية بينهما والتمهيد لخلق الأساس للاستقرار العالمي، اليوم تشكل الصين وأميركا الوجهة الوحيدة للقوى العظمى، وكلاهما يمتلك التأثير المباشر في مساحات النفوذ العالمي بشكل مباشر وغير مباشر، وهذا ما يمنحهما الأحقية في بناء القواعد التي تسيّر العالم؛ فإما صراعات وحروب أو قواعد لنشر السلام والازدهار.

عندما زار ترمب الصين خلال الأسبوع الماضي حمل معه الأزمة الأميركية بكل تفاصيلها وخاصة الحرب الأميركية ضد إيران بجانب التراجع الاقتصادي الذي تعاني منه أميركا بعد ارتفاع أسعار النفط، أتى ترمب بعقلية مختلفة؛ فقد جربت أميركا أن تكون هي القطب الوحيد في العالم منذ ثلاثة عقود مضت، ولكن هذه الميزة منحتها الفرصة لخسارة جميع الحروب التي خاضتها أو على أقل تقدير فشلت في تلك الحروب في أفغانستان والعراق وليبيا وصربيا، هنا أثبتت أميركا لنفسها أن تحررها من قيود المنافسين ليس في صالحها برغم قدرتها على أن تفعل ما تشاء على المستوى الدولي، لقد أثبت التاريخ القصير خلال الثلاثة عقود الماضية لأميركا أنها بحاجة إلى منافس لها بدلا من الاستئثار الأميركي بالعالم، والذي انتهي إلى وصول أميركا إلى (الترمبية) بما تحمله من متناقضات كظاهرة سياسية فريدة من نوعها في التاريخ الأميركي.

السؤال الآخر هناك يدور حول الفكرة التي أشار إليها الرئيس الصيني وهو يخاطب ترمب وينصحه بعدم الوقوع بفخ (ثوسيديدس) وهو مصطلح إغريقي قديم عمل على إخراجه العالم الأميركي غراهام أليسون، وتقوم فكرته على أنه حين تشعر قوة مهيمنة أن صعود قوة جديدة يهدد مكانتها، يتحول الخوف تدريجيا إلى محرك يدفع الطرفين نحو مواجهة عسكرية تكاد تبدو حتمية، فهل الصين بهذا التحذير على لسان رئيسها تريد تهيئة العالم إلى أن المفهوم التقليدي للقطبية وما يحتويه من منافسة تؤدي حتما إلى المواجهة يجب أن يتغير، وتحل محله الشراكة التي تبقي الطرفين كقطبي تأثير في العالم، ولكن لا يجب أن يتنافسا عكسرياً.

الخطاب الصيني يحمل دلالات وأفكارا تستحق التوقف؛ فهل الصين سوف تنافس أميركا كقوة عظمى أم أن فكرة فخ (ثوسيديدس) تعني التراجع الصيني والبحث عن مسارات أكثر نعومة للحفاظ على موقع بكين الاقتصادي الدولي؟ وهنا السؤال الأهم حول الفكرة الصينية، فهل هي استدراج صيني لأميركا وترويض يقوم على المراهنة على الزمن، بحيث تبقى الصين في العمل على تطوير ذاتها إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لتتبنى هي نفسها فخ (ثوسيديدس)؟ الصين اليوم قوة عظمى برغم رغبتها الدائمة بإظهار نفسها أمام أميركا كشريك اقتصادي وليس كمنافس عسكري، تاريخيا الصين اليوم أقوى من الاتحاد السوفيتي في زمنه، فلدى الصين قوة عسكرية واقتصادية جعلت منها قوة عظمى يعترف بها العالم بلا شك.

القضايا الشائكة بين واشنطن وبكين كثيرة والعرض الصيني لأميركا بتفضيل الشراكة على المنافسة يجب أن يذكر ترمب أن الزعيم الصيني السابق ماو وفي إشارة إلى قضية تايوان قال للمسؤولين الأميركيين بوضوح، إنه لا بأس إذا لم نتمكن من حل هذه المشكلة لمدة مئة عام، الرهان الصيني هو الصبر بينما ترمب هو دائما في عجلة من أمره، ويريد تحقيق النتائج على شكل صفقات مباشرة، الصين في المقابل ترغب في استثمار سلوك ترمب المستعجل فهي ترغب في تجاوز النقد الغربي لها فيما يخص الديمقراطية وحقوق الإنسان.

زيارة ترمب عمليا لم تكشف شيئا جديدا، فلغة الحكومة الصينية لم تتغير وشعارها الأزلي مازال موجودا في تلك الزيارة، فرسالة بكين الدائمة لأميركا “نحن بحاجة إلى الاحترام والتفاهم المتبادلين”، هذا هو مضمون خطاب الرئيس الصيني عندما حذر من فخ (ثوسيديدس) وعندما دعا إلى الشراكة بين واشنطن وبكين، الجديد في هذه الزيارة أنه ليس ترمب وحده من هو في عجلة من أمره، فحتى الرئيس الصيني لا يريد أن تنضج فكرة القطبية بهدوء فهو يريد أن يروض أميركا بسرعة بدعوته للشراكة منزوعة القوة والنفوذ، وهذا ما يستحيل أن توافق عليه أميركا التي صنعت مكانتها في العالم من خلال القوة أولا، بينما الصين تريد العمل من خلال النفوذ والاختراق الاقتصادي.

 

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى