رأي

الصين تراهن على “نصر بلا حرب”

محمد صابرين – بوابة الأهرام :


تمضي الصين في طريقها المعتاد، مستلهمة إرثها الحضاري الطويل القائم على الصبر الإستراتيجي وتجنّب الاندفاع، وكأنها تطبق عملياً تعاليم المفكر الصيني القديم سون تزو في كتابه فن الحرب.

فـ”سون تزو” يرى أن ذروة المهارة العسكرية لا تكمن في خوض المعارك، بل في إخضاع الخصم وكسر إرادته مندون قتال، عبر استراتيجيات تعتمد على استباق خطط العدو، وتفكيك تحالفاته، واستخدام الخداع والمناورة والتفوق الاستخباراتي، بما يحقق النصر الكامل بأقل تكلفة بشرية ومادية ممكنة. ويبدو أن هذه الفلسفة لا تزال حاضرة بقوة في التفكير الإستراتيجي الصيني المعاصر.

وفي الوقت ذاته، يناقش مثقفون مقربون من الحزب الشيوعي الصيني ما إذا كان يتعين على بكين مراجعة مبدأ”عدم التدخل” الذي طالما شكل أحد أعمدة سياستها الخارجية. فالصين، التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها الدولية على خطاب مناهض للإمبريالية، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يفرض عليها، ولو على مضض، تحمّلنصيب أكبر من مسؤوليات إدارة النزاعات، وتوفير الأمن، وحماية مصالحها العابرة للحدود، بل والمشاركة تدريجياً في بعض الأعباء التي كانت تتحملها الإمبراطورية الأمريكية، في وقت تبدو فيه واشنطن أقل قدرة على فرض إرادتها المنفردة على النظام الدولي.

وفي هذا السياق، وجّه وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين جهاز الأمن القومي إلى بناء نظام متكامل “يشمل كامل سلسلة الإمداد” لحماية المصالح الصينية في الخارج، وهو ما يتطلب، وفق تقديرات عديدة، توسيع القدرات الاستخباراتية والدفاعية الصينية خارج محيطها التقليدي. وبحكم اتساع شبكة المصالح الصينية، لم يعد هذا التوجه مقتصراً على شرق آسيا، بل بات يمتد إلى مناطق بعيدة مثل قناة بنما ومناجم وسط أفريقيا.

وقد نسبت صحيفة ذا غارديان إلى “تشن ييشين” قوله، في ديسمبر الماضي، إن “الهيمنة الأمريكية أصبحت غير قابلة للاستمرار”، مشيراً إلى ما وصفه بتراجع داخلي أمريكي وتآكل النفوذ الخارجي لواشنطن، في إطار رؤية صينية تعتبر أن بلادها تتجه نحو “استعادة عظمتها التاريخية”.

وعلى الرغم من أجواء “الود الظاهري” التي أحاطت باللقاءات الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، فإن هذا التقارب يبدو أقرب إلى هدنة فرضتها الضرورات الاقتصادية والإستراتيجية، أكثر من كونه تسوية حقيقية للخلافات العميقة بين القوتين.

فالهدف الصيني، وفق كثير من التقديرات، يتمثل في كسب الوقت لتعزيز تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، مع إدراك واضح للترابط بين هذه المجالات الثلاثة. وفي هذا الإطار، يشير خبراء إلى أن بكين اتخذت بالفعل خطوات عملية تعكس هذا التوجه، من بينها تشديد القيود على الشركات الأجنبية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وفرض إجراءات عقابية على الشركات التي تلتزم بالعقوبات الأمريكية المفروضة على مؤسسات صينية.

وترى ذا غارديان أن واشنطن وبكين تخوضان حالياً “لعبة انتظار” طويلة؛ فلا مواجهة مباشرة، ولا تسوية نهائية.

ومن جانبه، يرى شانغ جين وي، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية الآسيوي، أن أهم نتائج القمم الأمريكية الصينية ما تتركه من تأثيرات هادئة على قرارات الشركات العالمية. فعلى مدار العامين الماضيين، بُنيت قرارات استثمارية ضخمة على افتراض أن النظام التجاري العالمي يتجه نحو مزيد من التجزئة والانقسام.

وتتجلى كلفة هذه التحولات في توسع شركات مثل BYD في تايلاند وفيتنام، واستثمار TSMC نحو 165 مليار دولار في مصانع بأريزونا، فضلاً عن نقل Apple جزءاً من عمليات تجميع هواتف آيفون إلى الهند، إلى جانب ازدواجية خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد في العديد من القطاعات الحيوية.

ويرى “شانغ جين وي” أن أي استقرار نسبي في العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين لن يلغي هذه التوجهات، لكنه قد يبطئ وتيرة “التفكك الاقتصادي” العالمي، بما يسمح للشركات بإعادة التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمرونة الإستراتيجية.

ومن غير المرجح أن تنهي الزيارات المتبادلة بين ترامب وشي حقبة التنافس الإستراتيجي، لكن مجرد خفض احتمالات التصعيد — سواء عبر توسيع الحظر الأمريكي على الرقائق الإلكترونية، أو تعطّل صادرات العناصر الأرضية النادرة، أو تفاقم أزمات الشحن — قد يمنح الاقتصاد العالمي قدراً من الاستقرار.
وفي تطور لافت، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن الرئيس الصيني أبلغ ترامب، خلال محادثات بينهما، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يندم في نهاية المطاف على قرار غزو أوكرانيا. وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تعكس جانباً مهماً من الرؤية الصينية القائمة على الرهان على الزمن، وتجنب الاستنزاف المباشر، وتحقيق “نصر بلا حرب”.
ويرى كثير من الخبراء أن نهج بكين لا يمكن اختزاله في نزعات قومية، بل هو إستراتيجية طويلة المدى جرى إعدادها على مدى سنوات. فقد استعدت القيادة الصينية لاحتمال عودة ترامب إلى السلطة، كما تنظر إلى الحرب التجارية باعتبارها جزءاً من صراع يمتد لعقود.
وعلى المدى القريب، تركز بكين على الحصول على التكنولوجيا المتقدمة اللازمة لتسريع تطوير صناعة أشباه الموصلات وتقليل الاعتماد على الخارج. أما على المدى المتوسط، فهي تسعى إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية، وتنويع أسواق التصدير، وزيادة حصتها في الصناعات ذات القيمة المضافة داخل سلاسل التوريد العالمية، بما يقلص النفوذ الأمريكي.
أما على المدى البعيد، فتطمح الصين إلى بناء بنية تجارية ومالية عالمية موازية للنظام الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي، بما يحد من قدرة واشنطن على استخدام العقوبات الأحادية كسلاح جيوسياسي.
وترى تسونغ يوان تسو ليو، مؤلفة كتاب صناديق الثروة السيادية: كيف يمول الحزب الشيوعي الصيني طموحاته العالمية، أن بكين ستواصل استغلال الفرص التي يتيحها تراجع واشنطن عن التعددية الدولية، وتزايد الاستقطاب الداخلي الأمريكي، لتعزيز أهدافها الجيوسياسية.
ومن الناحية النظرية، تمتلك الصين بالفعل كثيراً من أدوات القوة الحديثة؛ فهي تملك موارد مالية ضخمة، وتسيطر على أجزاء واسعة من سلاسل إمداد الطاقة النظيفة، وتقود أكبر جيش نظامي في العالم، كما أثبتت شركاتها في مجال الذكاء الاصطناعي قدرتها على منافسة نظيراتها الأمريكية.

ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأشكال أخرى من النفوذ يصعب على الصين مجاراتها بالكامل. فالتفوق العالمي لا يُحسم فقط بعدد السفن أو نماذج الذكاءالاصطناعي، بل أيضاً بعوامل أكثر تعقيداً تتعلق بالإبداع والتفكير النقدي والاتصالات والتعاون، وهي العوامل المعروفة باسم “فور سي”.

ولذلك، ستظل واشنطن بحاجة إلى فهم أعمق لطبيعة الإستراتيجية الصينية، وكيف تعمل بكين على تعزيز قوتها بهدوء وعلى المدى الطويل، مستفيدة من نقاط ضعف السياسات الأمريكية.
لكن، في المقابل، تبدو الصين اليوم أكثر قدرة على فهم الولايات المتحدة، وأكثر صبراً في إدارة الصراع، وربما أقرب — من أي وقت مضى — إلى تحقيق “نصر بلا حرب”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى