رأي

الشرق الأوسط وتوازنات القوة

محمد حسن الساعدي – العرب:

الشرق الأوسط يعيش حالة سيولة عسكرية غير مسبوقة حيث تتداخل الصراعات التقليدية مع حروب التكنولوجيا مما يعقّد ويهدد الاستقرار المستدام.

يمرّ الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية تتشابك فيها خيوط السياسة ببارود المدافع، فلم تعد التهديدات الأمنية محصورة بجبهة دون غيرها، وأصبحت المنطقة تعيش حالة من “السيولة العسكرية” التي تجعل من التنبؤ بمستقبل الاستقرار أمرًا بالغ الصعوبة.

مع مطلع العام الحالي بدأت الصراعات التقليدية تتخذ أبعادًا تكنولوجية وإستراتيجية جديدة، وتداخلت العمليات العسكرية الميدانية مع حروب المسيّرات والذكاء الاصطناعي، مما وضع مفهوم الأمن القومي للدول أمام اختبارات غير مسبوقة فرضت عليها إعادة تموضع شامل لتحالفاتها الإقليمية والدولية. كما أن المنطقة تواجه اختبارًا هو الأكثر تعقيدًا في تاريخها الحديث، من حيث تداخل الصراعات الحدودية التقليدية مع حروب الوكالة والتقنيات العسكرية المتطورة، واستخدام أدوات اقتصادية معقدة ومتعددة تخرج عن القانون والأعراف الدولية، مما يخلق مشهدًا أمنيًا شديد التعقيد والاضطراب.

التحولات التي تشهدها المنطقة اليوم تتجاوز فكرة النزاعات الموضعية لتلامس إعادة تشكيل هيكلي لموازين القوى، حين تقاطعت طموحات القوى الإقليمية مع إستراتيجيات القوى الدولية الكبرى، التي بدورها تبحث عن موطئ قدم دائم في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة. هذا المشهد يفرض على صانع القرار قراءة التحركات العسكرية والسياسية ككتلة واحدة لا تتجزأ؛ فما يحدث في البحر الأحمر من تهديد للملاحة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجمود المسارات الدبلوماسية في غزة ولبنان، مما يجعل استقرار الممرات المائية رهينة لتسويات برية لم تنضج بعد.

لن يتحقق الاستقرار عبر صفقات مؤقتة أو جدران عازلة بل برؤية شاملة تدمج التنمية والحوار وتغلب لغة المصالح المشتركة على التصعيد

يبرز الصراع الإيراني-الأمريكي كعامل حسم في تحديد وجهة المنطقة المستقبلية؛ فلا تزال العلاقة بين الطرفين تتأرجح بين تصعيد عسكري مدروس ومفاوضات متعثرة غير واضحة التوجهات، وهو ما يضع الدول العربية في قلب عاصفة من الضغوط التي تتطلب حنكة سياسية عالية للموازنة بين مقتضيات الأمن القومي والمحلي وبين تجنّب الانخراط في محاور قد تؤدي إلى صدام شامل. فالوجود العسكري الأجنبي المكثف وتزايد سباق التسلح التكنولوجي يعكسان حالة من عدم اليقين، إذ يسعى كل طرف لفرض قواعد اشتباك جديدة تضمن له الردع وتمنع خصومه من تحقيق مكاسب إستراتيجية على حسابه، مما سيحوّل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لفن “إدارة الأزمات” بدلًا من “حل النزاعات”.

أما على الصعيد البنيوي، فإن الدولة الوطنية في الشرق الأوسط لا تزال تواجه تحديات أمنية ناتجة عن هشاشة بعض الأنظمة وتنامي دور الفاعلين من غير الدول، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى منظومة أمن إقليمي جماعي. ويبيّن أن الاستقرار المستدام لن يتحقق عبر الصفقات الأمنية المؤقتة أو بناء الجدران العازلة، بل يتطلب رؤية سياسية شاملة تدمج بين التنمية الاقتصادية وتسوية القضايا المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي ستظل المحرك الأول لمشاعر الغضب الشعبي والتوتر الأمني. وفي ظل هذا الترقب الحذر سيظل الشرق الأوسط مرشحًا لمزيد من المفاجآت ما لم تنجح القوى الفاعلة في تغليب لغة الحوار الجاد على القوة، والبحث عن قواسم مشتركة تضمن الحد الأدنى من التعايش السلمي بعيدًا عن سياسات حافة الهاوية التي تهدد الجميع وتقلقهم بلا استثناء.

ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد أزمات عابرة، وإنما هو مخاض عسير لترتيبات أمنية جديدة قد تمتد لسنوات. ولن ينجح أي مسعى للاستقرار ما لم يعتمد على رؤية شاملة تعالج جذور الصراعات بدلًا من الاكتفاء بإدارة أزماتها، لأن الرهان القادم يقع على قدرة الفاعلين الإقليميين على تغليب لغة المصالح المشتركة والتعاون الأمني الجماعي فوق لغة المحاور والتصعيد، لضمان عدم بقاء المنطقة رهينة لفوهات المدافع وحسابات القوى الكبرى التي غالبًا ما تتجاهل تطلعات الشعوب في العيش بسلام واستقرار.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى