الشرق الأوسط على شفير كارثة والضربات الأميركية بلا أهداف واضحة

تعِد إسرائيل المواطنين الإيرانيين بأنه “معاً سنعيد إيران إلى أيامها الأكثر مجداً”، لكن تبريرات الولايات المتحدة للضربات لم تكن متسقة ولا دائماً صادقة، في وقت يُعرف فيه الرئيس الأميركي بسرعة انتقاله من ملف إلى آخر
دونالد ماكنتاير – اندبندنت عربية :
تترافق المواجهة العسكرية مع إيران مع تصعيد سياسي وخطاب يتأرجح بين ردع طهران نووياً والتلويح بتغيير النظام، من دون وضوح حاسم في الهدف النهائي. وفي ظل تبريرات متضاربة وغياب مؤشرات استخباراتية قاطعة، يتصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة حول شرعية الضربات وحدودها وكلفتها واحتمال انزلاقها إلى حرب مفتوحة بلا أفق واضح.
كان الإنذار الصاروخي الثالث، قرابة الساعة 11:30 صباحاً في هذا الحي من القدس، الأطول حتى الآن. ومع دوي صفارات الإنذار في أنحاء المدينة – بل وفي كافة أنحاء البلاد – تجمع نحو 30 شخصاً من سكان المبنى السكني، بمن فيهم رضيع يبلغ من العمر أسبوعين وأجداد مسنون (إضافة إلى قطة وكلب)، داخل الملجأ الذي يضم مرحاضاً وعدداً شبه كافٍ من الكراسي وخدمة إنترنت متقطعة، لمدة 40 دقيقة تقريباً.
قضى غالب هؤلاء الأشخاص معظم أيام حرب الـ12 يوماً بين البلدين العام الماضي في هذا الملجأ بالذات. ولاحظ أحد السكان أن حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد ر. فورد”، التي يقال إنها جوهرة “الأسطول الجميل” الذي جمعه دونالد ترمب استعداداً للهجوم غير المتوقع الذي شنه هو وبنيامين نتنياهو على إيران، أطول من ارتفاع برج عزرائيلي الشهير في تل أبيب.
أياً كانت الآراء الشخصية التي تدور في خلد السكان، إلا أن أحداً لم يبادر إلى مناقشة أسباب هذه الحرب الجديدة ودوافعها، ناهيك بالأسئلة المهمة العالقة حول فترة استمرارها، وكلفتها من حيث الأرواح، ومآلاتها.
أما ترمب ونتنياهو فكانا، بطبيعة الحال، أقل تحفظاً بكثير. فقد قدم ترمب، وهو يدرك على الأرجح حجم الشكوك لدى الرأي العام الأميركي في شأن المخاطرة بأرواح الأميركيين في مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، “هذه العملية الضخمة والمستمرة” جزئياً بوصفها وسيلة لوقف العداء الإيراني التاريخي، ولا سيما تجاه الولايات المتحدة، بدءاً من عملية اقتحام السفارة الأميركية لدى طهران في عام 1979، ووصولاً إلى تفجير بيروت الذي أودى بحياة 241 جندياً أميركياً في عام 1983.
غير أن ذروة خطابه جاءت حين خاطب الشعب الإيراني قائلاً إن “ساعة حريتكم قد حانت… وعندما ننتهي، تولوا أمر حكومتكم”. وأعلن نتنياهو أن الإيرانيين “يمنحون الآن فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم”، وهو تصريح عززته رسالة بالفارسية من جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي “الموساد”، أعلنت عن إطلاق قناة جديدة عالية الأمان على “تيليغرام” للإيرانيين “لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو لنضالكم العادل ضد النظام معنا”. وفيما شددت الرسالة، “قبل كل شيء”، على ضرورة “الاعتناء بأنفسكم”، وعدت بأن “معاً سنعيد إيران إلى أيامها الأكثر مجداً”.
ولا يحتاج المرء إلى التشكيك، ولو للحظة، في التوق العميق والمبرر تماماً لدى الغالبية الساحقة من الإيرانيين لرؤية نهاية نظام آيات الله القمعي والوحشي – وهي غالبية تفوق بكثير آلاف الأشخاص الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمقاومته – ليدرك أن هذا هدف طموح للغاية، ويمكن للمرء أن يتمنى لو أن مهندسي الهجوم في واشنطن وهنا في القدس قدموا قدراً أكبر من الوضوح في شأن كيفية إطاحة طغيان طهران، إن كان ذلك ممكناً أصلاً، وبما يفضي إلى مرحلة أكثر سلمية وديمقراطية مما آلت إليه محاولات الغرب السابقة لتحقيق الهدف ذاته في أفغانستان والعراق وليبيا.
وقد يكون، بطبيعة الحال، إنهاء النظام ليس الهدف الحربي المركزي للولايات المتحدة وإسرائيل، على رغم الإشارات الحازمة الصادرة اليوم عن قادتهما. وكما قال نتنياهو، مستذكراً الهجوم الذي استمر 12 يوماً وأطلقه في يونيو (حزيران) الماضي، فإن إسقاط النظام لم يكن “الهدف”، لكنه قد يكون “النتيجة”. أو، بنظرة أكثر تشككاً، قد لا يعدو الأمر أن يكون الزعيمان يغلفان رغبتهما في توسيع الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية في المنطقة بلغة الحرية والديمقراطية.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فما الذي سيعد نصراً؟ وإلى أي حد وإلى متى سيكون ترمب مستعداً للمضي في أهدافهما المشتركة – إنهاء تخصيب اليورانيوم الإيراني، ووقف إنتاج الصواريخ الباليستية، وقطع دعم طهران لوكلائها في المنطقة – حتى لو كان الثمن أرواح جنود أميركيين؟
اقرأ المزيد
كيف يواجه ترمب الجبهة الداخلية وسط الحرب مع إيران؟
بالصور… تباين في مشاعر الإيرانيين بعد مقتل خامنئي
ماذا نعرف عن حكام إيران الجدد بعد مقتل خامنئي؟
بين “حرب مفتوحة” و”عمليات جراحية”… إلى أين تتجه حرب إيران؟
تقول الحكومة الإسرائيلية إن آية الله خامنئي قتل، وهو ما يعد مكسباً كبيراً لنتنياهو. لكن، حتى ولو صح ذلك، فليس بالضرورة أن يعني هذا انهيار النظام.
لا يقتصر الأمر على أن الرئيس الأميركي يتمادى في تجاوز حدود الدستور بإعلانه الحرب من دون الرجوع إلى الكونغرس، بل إن تبريرات الرئيس ومساعديه للعملية الحالية – التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “زئير الأسد” فيما سماها الأميركيون “الغضب الجارف” – لم تكن دوماً ثابتة أو صادقة.
لنأخذ على سبيل المثال ادعاءه، الذي ثبت زيفه بصورة لا لبس فيها الآن، بأن الضربات التي شنت العام الماضي قد “دمرت” برنامج إيران النووي. أو تأكيداته، التي دحضها الخبراء، بأن طهران تمتلك صواريخ باليستية قادرة على بلوغ الولايات المتحدة نفسها، بل وأن إيران تمتلك ما يكفي من المواد اللازمة لصنع قنبلة نووية “في غضون أيام”.
غير أن مسؤولي الاستخبارات في الولايات المتحدة وغيرها لم يرصدوا أي مؤشر إلى أن إيران استأنفت حتى تخصيب اليورانيوم منذ ضربات العام الماضي، فضلاً عن تطوير آلية يمكن أن تفجر قنبلة، لذا يبقى السؤال: لماذا الآن؟
في وقت سابق من هذا الأسبوع، قال جيم هايمز، أبرز الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، عقب لقائه وزير الخارجية ماركو روبيو: “لم نسمع سبباً وجيهاً واحداً يبرر شن حرب أخرى في الشرق الأوسط في هذا التوقيت بالذات”. أما رسالة ترمب المصورة ذات النبرة القتالية، التي بثت في الساعات الأولى من صباح أمس، فلم تقدم أي مبرر من هذا القبيل، فضلاً عن أن تطمئن الرأي العام في الغرب بتحديد هدف واضح وقابل للتحقيق لحرب باتت حقيقية ومحفوفة بأخطار لا يمكن تقدير عواقبها.




