رأي

الشرع في نيويورك: بداية المساءلة

فراس الشوفي – الأخبار:

يدخل الشرع مرحلة جديدة بعد عامين من الوعود، عنوانها التدقيق في أداء السلطة وأسئلة الداخل والخارج حول شكل الحكم والاقتصاد والأمن والهوية. ومع تراجع الوعود الاقتصادية وتصاعد الأزمات، تتحول زيارة نيويورك من منصة دبلوماسية إلى اختبار سياسي متزايد.

شكّلت زيارة الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إلى نيويورك، ومشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، محطّة جديدة، مختلفة تماماً عن زيارته العام الماضي. وبعدما برز في رحلته السابقة لقاؤه مع مدير «وكالة المخابرات المركزية الأميركية»، دافيد بترايوس، على هامش قمة «كونورديا 2025»، سُجّل هذه المرة خصوصاً لقاؤه مع الدبلوماسي الأميركي، بريت ماكغورك، في «المجلس الأطلسي».

رغم أن الشرع حقّق، على مدى العام الأخير، مجموعة من الإنجازات الدبلوماسية والأمنية في داخل سوريا -ظاهرياً- وعلى مستوى علاقاتها الدولية، إلا أنه فعلياً دخل الآن مرحلة «الأسئلة والمراقبة»، وذلك بعد ما يقارب عامين من وصوله إلى السلطة، وانكشاف الكثير من الملفات التي تغاضت -ولا تزال- الدعاية المؤيّدة له في الإعلام العربي والغربي عنها. لم يقدّم الشرع أيّ جديد في خطابه الأخير في الجمعية العامة، سوى التخلّي عن مرحلة تبرير التاريخ، وخصوصاً كونه عضواً سابقاً في «تنظيم القاعدة» وقائداً لتنظيم «جبهة النصرة» الذي أزيل مؤخراً عن لوائح الإرهاب الأميركية. إلا أنه كرّر مجدّداً الكثير من الوعود الوردية التي كان عرضها العام الماضي أمام «المجتمع الدولي» -كمثل تلك التي يقدّمها للسوريين منذ عامين-، فيما بدت مقابلة ماكغورك، المبعوث الخاص للرئيس باراك أوباما لـ«التحالف الدولي لمحاربة داعش»، والمفاوض مع إيران، معه، كجلسة تحقيق، في ظلّ محاولة الأول استخراج أجوبة حقيقية منه عبر أسئلة محرجة دفعته إلى التبرير. وهكذا، اضطرّ إلى الدفاع عن نفسه من «بيعة القاعدة» وموقفه من هجوم 11 أيلول، في حين تخبّط في شرح شكل النظام الجديد ودوره فيه، من مثل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة ونيّته الاحتفاظ بالسلطة، وملف «مكافحة الإرهاب».
وهنا، يمكن القول إن أسلوب ماكغورك بدا مختلفاً كلياً عن التساهل الذي أبداه بترايوس في المقابلة المدروسة التي أعدّها العام الماضي، وكان هدفها استخراج أجوبة «مريحة» من الشرع، وذلك لطمأنة الأميركيين إلى «الحليف الجديد»، الذي يتبنّاه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وإدارته. فبينما كان ماكغورك الحليف الأميركي الوثيق لتنظيم «قوات سوريا الديمقراطية» لمدة طويلة من الحرب السورية، بدا بترايوس، على الضفة الأخرى، وهو يستلهم تجربته ومعرفته بالعراق، ليقرّر أن «هناك إرهابياً لا يمكن شراؤه، وأن هناك إرهابياً يمكن شراؤه»، وأنه «لا بدّ من الاستثمار في الانتهازيين من الجهاديين السوريين الذين يبحثون عن المكاسب»، قاصداً بكلامه «جبهة النصرة» خصوصاً.

نتيجةُ اللقاء في «المجلس الأطلسي»، أحدثت امتعاضاً كبيراً لدى رموز الجالية السورية في الولايات المتحدة، ممّن أدّوا أدواراً في تأليب واشنطن على النظام السوري السابق، ويبذلون جهوداً كبيرة لتبييض صورة النظام الجديد ورأسه. إذ إن «الفقرات الحارة» من المقابلة -تحديداً كلام الشرع عن 11 أيلول و«بيعة القاعدة»- هي التي تداولها الأميركيون على نطاق واسع، وأكد الناشط في الجالية، محمد غانم، في منشور على صفحته على «فيسبوك»، أنها هي الأجزاء التي شاهدها موظّفو البيت الأبيض.
وبمعزلٍ عن موقف ماكغورك الشخصي، وأهميّة ما تمثله منصّة «المجلس الأطلسي» باعتبارها مؤسسة بحثية راسخة في التأثير في السياسات الأميركية، فإن ما طرحه الدبلوماسي الأميركي هو جزء من أسئلة بات كثيرون يطرحونها داخل الولايات المتحدة وخارجها، وبات البعض يعبّر عنها في العلن بعدما أخفوها، في المدة الماضية، تماشياً مع توجّه إدارة ترامب. وتمتدّ الأسئلة أيضاً حتى إلى أقرب حلفاء الشرع خارج الولايات المتحدة ووسائل الإعلام الداعمة له، حيث تدور الشكوك حول مستقبل سوريا وحقيقة الوضع الاجتماعي والسياسي والأمني والاقتصادي، ومستقبل النظام وشكله، وواقع القوات المسلّحة التي يبنيها الرئيس الانتقالي وملف الحرب على «الإرهاب». كما أن جزءاً مهماً أيضاً من هذه الأسئلة والإشارات، طرحته صحيفة «نيويورك تايمز»، قبل ثلاثة أيام، في مقالة للكاتبة كريستينا غولدبوم، التي تقود فريق التغطية السورية في الصحيفة، متحدّثةً عن خطورة الصراع التركي – الإسرائيلي، والخطوات التي تتّخذها السلطات الجديدة لمواجهة التحدّيات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

اصطحب الشرع معه إلى نيويورك أكثر من أربعين شخصاً، مع ما يعنيه ذلك من تكلفة هائلة لا داعي لها

وكما ازداد التدقيق في الخارج، ازداد تدقيق السوريين في الداخل، من الذين استبشروا خيراً بالشرع وقرّروا منحه الفرصة لتنفيذ وعوده خلال العامين الماضيين، خصوصاً مع انفجار الأزمة الاقتصادية خلال الأسابيع الأخيرة، والقرارات العشوائية التي تتخذها الحكومة الانتقالية، واكتشاف زيف وعود التمويل والاستثمار، وتبدّد آمال إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. ومما عزّز ذلك الامتعاض، طغيان مظاهر البذخ والغنى المستجدّ لدى غالبية المسؤولين في النظام الجديد، على مختلف مستوياتهم، في مقابل الفقر المدقع الذي يئنّ تحته ما يزيد على 90% من السوريين، وتخيير الناس بين «العدادات المسبقة الدفع» و«البطاقة الذكية».
ويترافق تبدّل النظرة هذا، مع وضوح في الموقف الإسرائيلي من النظام الجديد، وفشل تعويل الشرع على عقد اتفاقية أمنية مع تل أبيب، علّها تمنحه دفعاً دولياً جدّياً وأماناً، وهي العلامة التي انتظرها كثيرون ولم تأتِ، للتقدّم نحو اتخاذ خطوات جدية للاستثمار في سوريا. بدلاً من ذلك، يَظهر كلّ يوم تهديدٌ مباشر للنظام في قلب دمشق، إمّا بالأعمال العسكرية أو الأمنية المباشرة عبر القصف واحتلال الأراضي، أو بالتدخل السياسي والأمني غير المباشر. ولعلّ تقارير الإعلام العبري، حول توظيف الشرع الأموال لتقوية الجيش الجديد (وهي تقارير على الأرجح زائفة لعدم توفّر الأموال أساساً)، تكشف حقيقة نوايا إسرائيل تجاهه، وتضعه في موقف محرج، بينما هو لا يستطيع لا التأكيد ولا النفي، ولا الصمت حتى.

ولعلّ أسوأ الأزمات، هو ظهور «مأزق الهويّة» لدى السوريين بمختلف انتماءاتهم، والذي لم يعُد يقتصر على الجماعات الدينية التي رفضت حكم النظام الجديد، بل بات متفجراً في داخل الشريحة الأوسع من المسلمين السنّة، مع ظهور التباين العميق بين الأشعريين والجماعات السلفية، وفي داخل بنية الحكومة الجديدة، والتأثير الكبير للسلفيين في المناطق، ووقوع السلطة في دوامة الخيارات. وظهر هذا الصراع على أشدّه، في الكباش حول حفلة أصالة في دمشق، الذي أصرّت عليه السلطة ورفَضه رموز السلفية، وأيضاً في الصراع بين «وزارة الأوقاف» والداعية المصري، هاني دهب، المعروف بـ«الشيخ الذهبي»، وهو صاحب أكبر حملات توزيع النقاب على السوريات. وجاء تسريب كلام المفتي أسامة الرفاعي -قبل نحو أسبوعين- الذي قال فيه إن الشرع ترك الوهابية والتحق بالأشعرية، ليصبّ الزيت على النار، ويعمّق من مأزق الرئيس الانتقالي مع السلفيين من دون أن يساعده في كسب دعم الأشاعرة. إذ إن هؤلاء يشعرون بأن «السلطة تلعب على الحبلين»، وأنها إمّا تسهّل للسلفية الانتشار بين السوريين أو أنها عاجزة عن تطويقها في ظلّ وجود مؤيدين كثر لها في داخل المؤسّسات الرسمية والقوات المسلحة.

كان يمكن للسوريين، بعد 15 عاماً من الحرب، المساومة على «العقد الاجتماعي» مع حكومة الشرع، والقبول بالتحولات الاجتماعية ومظاهر التديّن الزائدة، وتحمّل الانتهاكات اليومية التي تقوم بها القوات الأمنية والعسكرية التابعة للرئيس الانتقالي والجماعات المسلّحة المرتبطة بها، لا سيّما من البدو في الأرياف الشمالية وبعض الوافدين إلى دمشق، والتعذيب والاعتقال والإخفاء القسري المستمرّ وتكميم الأفواه، وهو ما بات يطاول السوريين جميعهم، وخصوصاً من السنّة (بعد تراجع حدة الاحتكاك في المناطق ذات الغالبية العلوية رغم استمرار الانتهاكات، واستقرار ملف السويداء ودمج «قسد»)، لو أن شيئاً من الوعود الاقتصادية قد تحقّق، وظهرت للمواطنين مشاريع جادّة لتأمين المداخيل.
لكن، ما بات يقلق السوريين، أن السلطة الجديدة، تريد تكرار أساليب القمع وتوسيعها، وفرض نماذج اجتماعية معيّنة، وفوق ذلك سلب ما تبقّى للمواطنين من موارد، واستخدام أموالهم في شراء المواكب والممتلكات الخاصة، من دون أن تقدّم أيّاً من الحلول التي وعدت بها. فمن مظاهر الهدر، أنه وبينما كان يتظاهر السوريون احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات غير المبرر والغلاء الفاحش الذي ضرب الأسواق، اصطحب الشرع معه إلى نيويورك، ما يزيد على أربعين شخصاً في الوفد الرسمي، مع ما يعنيه ذلك من تكلفة هائلة لا داعي لها، في الوقت الذي لم يتجاوز فيه عدد أعضاء وفود دول غنية ومؤثرة، أصابع اليد الواحدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى