رأي

السودان… بين السيء والأسوأ

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.

الجيش السوداني الذي يُنظر إليه في الخارج باعتباره “المؤسسة الرسمية” ارتكب انتهاكات لا تقل خطورة. فتقارير حقوقية أشارت إلى استخدامه القصف المدفعي والجوي وحتى السلاح الكيمياوي في مناطق مأهولة.

منذ اندلاع الحرب المفتوحة في السودان بين الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، انشغل الإعلام بتوجيه الاتهامات إلى الدعم السريع، اتهامات بالقتل الجماعي والاغتصاب والتهجير القسري.

لكن هذا التركيز يغفل سؤالًا جوهريًا: هل الجيش السوداني بريء من الانتهاكات؟ وهل نسي العالم ماضي البرهان الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري أطاح بالشراكة المدنية -العسكرية؟

التركيز الإعلامي على قوات الدعم السريع لا يعني أن الجيش السوداني بقيادة البرهان نظيف اليدين. فالمؤسسة العسكرية السودانية متهمة تاريخيًا بالقمع الدموي، من مجزرة القيادة العامة في يونيو 2019 التي راح ضحيتها أكثر من مئة متظاهر، إلى القصف العشوائي على مناطق مدنية خلال الحرب الحالية.

السودان اليوم يعيش مأساة مركبة: جيش فقد شرعيته، وقضاء مسيّس وصحافة مكمّمة. المدنيون هم الضحايا في كل الجبهات: في ساحات القتال، في قاعات المحاكم، وفي غرف التحرير

الجيش السوداني، الذي يُنظر إليه في الخارج باعتباره “المؤسسة الرسمية”، ارتكب انتهاكات لا تقل خطورة. فتقارير حقوقية أشارت إلى استخدامه القصف المدفعي والجوي وحتى السلاح الكيمياوي في مناطق مأهولة، ما أدى إلى سقوط المئات من الضحايا بين مدنيين. كما نفذ اعتقالات واسعة بحق ناشطين وصحافيين.

البرهان نفسه ليس شخصية محايدة. فقد تولى قيادة الجيش بعد سقوط عمر البشير في عام 2019، ثم أصبح رئيس المجلس العسكري الانتقالي. وفي عام 2021، نفذ انقلابًا عسكريًا أطاح بالشراكة مع المكون المدني، وألغى الوثيقة الدستورية، أساس الانتقال الديمقراطي. هذا الانقلاب أعاد السودان إلى الحكم العسكري المباشر، وأدخل البلاد في أزمة سياسية واقتصادية وأمنية عميقة.

الحقيقة أن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع بين “دولة” و”ميليشيا”، بل هي أزمة مزدوجة: مؤسسة عسكرية متورطة في القمع والانتهاكات، وميليشيا شبه عسكرية تمارس العنف. المدنيون هم الضحايا الرئيسيون.

لكن المأساة لا تقف عند حدود المعارك. فالمحاكم نفسها تحولت إلى ساحات للصراع السياسي، والصحافة إلى هدف مباشر للتضييق والترهيب. خبران متزامنان كشفا الصورة القاتمة: حكم بالإعدام على الناظر مأمون هباني، أحد رموز الإدارة الأهلية، واستهداف ممنهج لعدد من الصحافيين عبر بلاغات تصل عقوبتها إلى الإعدام. كلاهما يعكس أزمة أعمق من مجرد تجاوزات فردية؛ إنها أزمة دولة فقدت توازنها بين العدالة والسلطة.

حزب الأمة القومي كشف أن محكمة الدويم أصدرت حكمًا بالإعدام على هباني، بعد اعتقال دام أكثر من سبعة أشهر في ظروف قاسية، ودون تمكينه من حق الدفاع عن نفسه. التهمة: التعاون مع قوات الدعم السريع. لكن الحزب يرى أن القضية أبعد من مجرد اتهام جنائي؛ إنها استغلال سياسي للعدالة، حيث تُستخدم المحاكم كأداة لتصفية الحسابات مع الخصوم.

الحكم ليس مجرد واقعة قضائية، بل مؤشر على ازدواجية خطيرة في تطبيق القانون. فبينما تُفتح ملفات ضد شخصيات مجتمعية لمجرد بقائها في مناطق سيطر عليها الدعم السريع، تُستقبل شخصيات أخرى متهمة بجرائم حرب وكأنها بريئة. العدالة هنا لم تعد ميزانًا، بل أداة انتقائية تُستخدم لترهيب المجتمع وإخضاعه.

العالم، في تغطيته، يركز على الدعم السريع، لكنه ينسى أن الجيش بقيادة البرهان ليس بريئًا، وأن ماضيه وحاضره مليئان بالانتهاكات والانقلابات

في الوقت نفسه، أصدر منتدى الإعلام السوداني بيانًا يندد بالهجمة الممنهجة على الصحافيين. البلاغات المفتوحة ضدهم تصل عقوبتها إلى الإعدام، وكأن الكلمة الحرة أصبحت جريمة تعادل حمل السلاح. الصحافيون، من رشا عوض إلى شوقي عبدالعظيم وماهر أبوالجوخ وصباح محمد الحسن، لا يواجهون فقط الملاحقات الجنائية، بل يواجهون أيضًا حرمانًا من حقوق المواطنة الأساسية، مثل الحصول على الأوراق الثبوتية وجوازات السفر.

القضيتان تكشفان وجهين لأزمة واحدة: العدالة في السودان لم تعد مؤسسة مستقلة، بل أداة في يد السلطة.

هذه الأزمة ليست جديدة؛ فهي امتداد لتاريخ طويل من استخدام القضاء والإعلام كأدوات للسيطرة. لكن الحرب الحالية جعلت هذه الممارسات أكثر قسوة ووضوحًا.

داخليًا، هذه الممارسات تغذي شعورًا متزايدًا بانعدام الثقة في مؤسسات الدولة. فالمواطن يرى أن العدالة ليست سوى واجهة، وأن الصحافة تُعاقب لأنها تكشف الحقيقة. هذا الشعور يضعف شرعية السلطة، ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

خارجيًا، صورة السودان تتدهور أكثر. الشركاء الدوليون الذين ينظرون إلى السودان كفاعل إقليمي مهم في ملفات الطاقة والهجرة، يرون الآن دولة تُعدم رموزها المجتمعية وتطارد صحافييها. هذا يضعف الموقف التفاوضي للسودان، ويمنح منافسين إقليميين فرصة لملء الفراغ.

السودان اليوم يعيش مأساة مركبة: جيش فقد شرعيته، وقضاء مسيّس وصحافة مكمّمة. المدنيون هم الضحايا في كل الجبهات: في ساحات القتال، في قاعات المحاكم، وفي غرف التحرير. العالم، في تغطيته، يركز على الدعم السريع، لكنه ينسى أن الجيش بقيادة البرهان ليس بريئًا، وأن ماضيه وحاضره مليئان بالانتهاكات والانقلابات.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى