السعودية والإمارات معا رغم الخلافات

توافق البلدان على تأجيل أي خلاف للتركيز على الخطر الإيراني الأكبر
سعد بن طفلة العجمي – اندبندنت عربية:
من المؤكد أن متخذي القرار في دول المجلس راقبوا الفرحة الشعبية الخليجية العارمة التي رافقت زيارة الشيخ منصور والأمير خالد، فالفرحة لم تكن بالزيارات بحد ذاتها، بل احتفاء وتقديراً لشعور المسؤولية التاريخية الثقيلة التي تقع على عاتق قيادات البلدين، وترجمة لترتيب الأولويات السيادية الوجودية على الخلافات الأخرى، مهما اشتد أوارها الإعلامي وعلا صوت المبغضين من أجل تأجيجها.
واهم من يظن بأن تبادل الزيارتين الرفيعتين قبل أيام، بين السعودية والإمارات، قد أغلق جميع ملفات الخلافات بين البلدين، وهما الزيارتان اللتان قام بهما نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، نائب رئيس الوزراء الشيخ منصور بن زايد إلى السعودية، حيث التقى ولي العهد السعودي، رئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وتلتها زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز إلى أبوظبي، ولقائه رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد بن سلطان آل نهيان، وكان للزيارتين وقع إعلامي كبير، بعد توتر العلاقات بين البلدين الشقيقين، إثر تطورات الملف اليمني في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وإعلان الإمارات الخروج نهائياً من اليمن، بعدما أعلنت خروجها من التحالف عام 2019.
بين البلدين خلافات في الملف اليمني، ورؤية مختلفة حول الحرب الدامية المدمرة بين حكومة السودان بقيادة عبدالفتاح البرهان، وبين صنيعتها الذي انقلب عليها، محمد حمدان دقلو، وهناك اختلاف في المواقف من العلاقة مع إسرائيل، وإن كان البلدان يتوافقان حول حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وقيام دولته المستقلة، ولعل الملف اليمني كان أكثر تلك الملفات الخلافية حدة، إذ وصل الخلاف إلى قصف سعودي لشحنة معدات قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي متجهة لدعم قوات عيدروس الزبيدي.
المتابع للعلاقات بين البلدين الشقيقين، والجارين الخليجيين، يدرك أن ملفات الخلاف لم تغلق، ولكنها وضعت على الرف مرحلياً، وأن توافقاً جرى بين البلدين على تأجيل أي خلاف للتركيز على الخطر الأكبر، الخطر الإيراني، الذي أخذ أشكالاً عدة من العدوان، من قصف إيراني مباشر بالمسيّرات والصواريخ على جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست خلال الشهور الماضية، وإغلاق مضيق هرمز الحيوي وشريان الحياة الاقتصادية الخليجية، وتفعيل ميليشيات “الحشد الشعبي” العراقية لقصف الكويت والسعودية والإمارات، وتحريض الحوثي على استئناف حربه على الداخل اليمني والخارج السعودي، وتسليحه وتدريبه ومساندته، وحثّه على تهديد الملاحة في مضيق باب المندب.
كل هذا وسماء المنطقة ملبدة بغيوم أكثر سوداوية، وطبول الحرب يسمعها حتى الأصم صمماً شديداً، والتهديدات الإيرانية بتجديد عدوانها مستمرة، من دون وجل أو تقدير للجيرة أو القانون الدولي الذي يحكم العلاقات بين الدول.
وبغض النظر عن مدى دقة التقارير التي تفيد بعودة الإمارات للساحة اليمنية بصورة غير مباشرة، للمساعدة في التصدي للخطر الإيراني – الحوثي، فإن تجدد اللقاءات بحد ذاته بين المسؤولين في السعودية والإمارات، على رغم استمرار الخلافات، يعكس شعوراً بالمسؤولية التاريخية من قيادة البلدين، بضرورة تجاوز كل الخلافات حين يدهم الخطر الجميع، وهو يذكرنا بمنطقة الخليج العربي عموماً، وأن أي اعتداء على أي من دول مجلس التعاون الخليجي اعتداء على الجميع.
سبق اللقاءات بين البلدين استئناف الخط الساخن بين المسؤولين الأمنيين في الرياض وأبوظبي، حين اختطفت طائرة إماراتية مدنية، وحطت اضطرارياً في مطار تبوك (شمال غربي السعودية) نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، فقد أضافت الحادثة سبباً إلى أسباب لا حصر لها، بضرورة التنسيق الأمني والعسكري واللوجيستي بين دول المجلس، وأن الخلافات مهما اشتدت، فإنها لن تكون عائقاً أمام التنسيق في وجه الأخطار الوجودية التي تهدد دول المجلس.
رافق الخلاف السعودي – الإماراتي خلال الشهور الماضية حملة شعواء على وسائل التواصل الاجتماعي، تحاول تأجيج الخلافات وتعميق الانقسامات بين دول المجلس، وكان وراء تلك الحملة حسابات أحزاب سياسية، ودول وعواصم إقليمية، أكثرها من خارج دول المجلس، وهي التي قال عنها في رسالة وجهها حاكم دبي، نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لشعوب الخليج العربية، إنها حملات خائبة لن تنجح في أهدافها الخبيثة، “فلن تجمعنا التنمية الواحدة وحسابات الاقتصاد المشترك، وتفرقنا حسابات التواصل، ولن تجمعنا أجندات التنمية، ويفرقنا أصحاب الأجندات الضيقة، والنفوس المريضة”.
من المؤكد أن متخذي القرار في دول المجلس قد راقبوا الفرحة الشعبية الخليجية العارمة التي رافقت زيارة الشيخ منصور والأمير خالد، فالفرحة لم تكن بالزيارات بحد ذاتها، بل احتفاء وتقديراً لشعور المسؤولية التاريخية الثقيلة، التي تقع على عاتق قيادات البلدين، وترجمة لترتيب الأولويات السيادية الوجودية على الخلافات الأخرى، مهما اشتد أوارها الإعلامي وعلا صوت المبغضين من أجل تأجيجها.




