رأي

السعودية قررت التحرك كقوة إقليمية وليس كحليف تابع

د. عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب – العرب:

السعودية توازن بين رفض التصعيد وحماية مصالحها وتقود مسار التهدئة وتمنع توسع الحرب مؤكدة استقلال قرارها الإقليمي ورفضها أن تكون أداة للابتزاز الأميركي.

أثار الثقل السياسي والدبلوماسي السعودي استياءً إسرائيليًا، خاصة مع نجاح الرياض في قيادة مسار التهدئة وإحباط المساعي الإسرائيلية لتوسيع رقعة الحرب الإقليمية. فالسعودية تمثل عقبة أمام مشاريع الهيمنة الإسرائيلية التي تسعى إلى تشكيل تحالفات إقليمية حصرية ضد إيران، إذ إن أي تحالف إقليمي دون السعودية مصيره الفشل. بل إن إسرائيل انزعجت من إدانة الرياض لعدوانها على إيران واعتبرتها انتهاكًا للسيادة الإيرانية، مؤكدة أن هذه الضربات تعرقل المساعي الدبلوماسية.

تدرك السعودية أن الولايات المتحدة بعيدة، وأن إسرائيل لا تمانع في إحداث الفوضى بالمنطقة. كما تدرك أن ترامب رجل صفقات، يضع أميركا أولًا، يصنع الأزمة ويتاجر بها، خصوصًا بعد رفض دول الخليج المشاركة في هذه الحرب التي أشعلتها أميركا. فقد أبقى ترامب على نحو 25% من قوة إيران، لتدخل المنطقة حالة “اللاحرب واللاسلم”، ومرحلة تبادل الأدوار الخشنة بين إيران وأميركا، يتم فيها استهداف دول الخليج لاستنزاف مخزونها من الصواريخ، لتبقى حاجتها قائمة لأميركا بسبب اعتماد السلاح الخليجي عليها. حتى أن الشركات الأميركية أنتجت أربعة أضعاف ما تنتجه في الظروف العادية، واشترت دول الخليج من أميركا ما يقارب 70–80 مليار دولار عبر صفقات عاجلة.

دائمًا تتعامل أميركا مع المنطقة بأزمات غير محسومة، وهي سياسة قائمة على الابتزاز الاستراتيجي، هدفها ضرب الاقتصاد ورؤية المملكة 2030، وأهداف أخرى تتعلق بالإضعاف والإنهاك. ففي عصر لا توجد فيه سيادة مطلقة ولا تحالفات أمنية مستقرة، بل استنزاف أمني، صرّح وزير الحرب الأميركي بيت هيغست خلال مؤتمر حوار شانغريلا في سنغافورة أن الأولوية هي حماية إسرائيل، وأن الدول التي تعتمد على الحماية الأميركية انتهى عهدها، فأمن إسرائيل هو الثابت الوحيد في الإستراتيجية الأميركية.

تعتمد الرياض على تنويع شراكاتها وتطوير منظومات دفاعية متقدمة لتؤكد أنها قوة إقليمية مستقلة تسعى للاستقرار والتنمية وتوازن الرعب بدل الفوضى والهيمنة

أما السعودية فتتعامل مع واقعها الجغرافي المتمثل في قربها الشديد من دولة يُرجّح أن تبقى خصمها في المستقبل المنظور. فخلافًا لأميركا وإسرائيل، ستظل السعودية تعيش في المنطقة ومع جيرانها بعد نهاية الحرب، محتفظة بمكانتها الإسلامية. لذلك، فإن رؤيتها لهذه الحرب معقدة، جعلتها تتجه نحو تكثيف اتصالاتها مع الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة لمنع تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تحرق المنطقة. وقد برزت تداعيات هذه التحركات في دفع واشنطن نحو المزيد من ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات.

لكن كيف أدارت السعودية التهديد الذي تتعرض له هي وشقيقاتها؟ لقد أدانت الرياض تعرضها وبقية دول الخليج لضربات إيرانية بصياغة غاضبة لكنها متزنة، واستطاعت إدارة هذا التهديد. وتعرف إيران أن السعودية تمتلك القدرة، وأن حساباتها قد تتغير إذا استمرت الهجمات، لأنها ستكون لها تداعيات كبيرة على العلاقات الثنائية في الحاضر والمستقبل. وتدرك إيران أن السعودية الوحيدة القادرة على نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، وقادرة على دعم حشد الرأي العام داخل إيران. وقد أقنعت الرياض إيران أن استهداف دول الخليج للضغط على ترامب لإنهاء الحرب غير واقعي ولا يخدم سوى إسرائيل، التي تود إدخال دول الخليج، وبشكل خاص السعودية، في فوضى ومستنقع حرب سيجلب ردًا إيرانيًا أقوى بأسلحة رخيصة مقابل رد بأسلحة غالية الثمن تخدم الاقتصاد الأميركي عند انخفاض المخزون، وفي الوقت نفسه يريح إسرائيل. وعند دخول السعودية هذه الحرب تنسحب أميركا تاركة الرياض تواجه إيران، ما يؤدي إلى تعزيز العلاقة بين السعودية وإسرائيل في حرب مشتركة ضد إيران، تكون إسرائيل قد حققت حلمها التاريخي في إقامة علاقات مع السعودية، التي ترفض ذلك إلا بعد إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والتي حشدت لها العالم وتمكنت من انتزاع موافقة 159 دولة من أصل 193 دولة.

استهدفت إيران الكويت بشكل خاص، حجر الزاوية الذي رفض التطبيع، ووقفت أمام شبكات كبيرة للحرس الثوري الإيراني. فإيران تبقى حالة غليان منضبطة أميركيًا، تتضرر منها دول الخليج فقط دون أميركا وإسرائيل. يظهر أن أميركا فشلت، لكن مكاسبها الإستراتيجية كبيرة، فهي حرب مدارة لابتزاز دول الخليج. ولو أرادت أميركا إنهاء إيران كما أنهى بوش النظام في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 لفعلت، لكن الإستراتيجية الأميركية الجديدة أرادت الإبقاء على جزء من قوة إيران لإرباك المنطقة على المدى الطويل، لتبقى في حاجة مستمرة لأميركا، وهي سياسة قائمة على الابتزاز الاستراتيجي.

قبل هذه الحرب، نجحت السعودية في التوصل إلى صيغة تعايش مع إيران، لم تكن ودية لكنها لم تكن عدائية بشكل مباشر كما في السابق. والواقع أكثر تعقيدًا، وإن كانت إسرائيل تظن أنها تلعب على وتر العداء التاريخي بين إيران والمنطقة، فإن تجارب السعودية مع أميركا البراغماتية أثبتت العكس. فقد منعت تحرير الحديدة عام 2018 واستبدلته باتفاق ستوكهولم الذي لم يحقق شيئًا، واستخدمت الحوثي كورقة تهديد في مضيق باب المندب من أجل هيمنتها على الممرات والطاقة. ولا تثق السعودية في أن أميركا ستقضي على النظام الإيراني، فهو نظام عقائدي ليس مثل فنزويلا.

تدرك السعودية أن إيران لم تتمدد وتفرض هيمنتها على المنطقة بقوتها الذاتية، بل بدعم أو تمكين أو غض طرف أميركي. ففي الحرب العراقية–الإيرانية دعمت إسرائيل إيران بأسلحة عُرفت بفضيحة “إيران–غيت”، وتعاونت إيران وإسرائيل في ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1980 لكنه فشل، بينما نجحت إسرائيل في تدميره بالكامل عام 1981. وتقاسمت أميركا وإيران العراق بعد احتلاله عام 2003، ومنعت أميركا السعودية من إدخال جيشها إلى البحرين عام 2011، لكن الرياض أصرت وأدخلت الجيش السعودي الذي حمى البحرين من الهيمنة الإيرانية.

تؤمن السعودية بأنه لا يوجد عالم مثالي، ولا تثق في أن أميركا ستقضي بشكل حاسم على التهديد الإيراني. ويزداد القلق إذا انخرطت السعودية في هذه الحرب بشكل مباشر، لكنها تراهن على أن إيران بعد نهايتها ستكون أضعف وأقل عدوانية، وأقل استعدادًا لدعم الميليشيات في المنطقة. فحزب الله في لبنان أصبح في أضعف حالاته، ومفروض عليه تسليم سلاحه والتحول إلى حزب سياسي، وهناك ضغط دولي وإقليمي وضربات إسرائيلية لإضعافه، مع تجفيف مالي وحصار لمنع تهريب السلاح إليه، خصوصًا بعد تحرير سوريا وانقطاع خطوط التهريب عبر العراق. وكذلك دمج الحشد الشعبي في العراق، ومحاصرة الحوثي ومنع تهريب السلاح إليه حتى يقبل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات وتسليم سلاحه الثقيل.

تفضل السعودية الاستقرار والتنمية القابلة للتنبؤ على الفوضى، حتى لو جاء ذلك على حساب مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد. فأي دخول في حرب مباشرة مع إيران سيترك الطرفين منهكين وغارقين في انعدام الثقة. لذلك، انزعجت إسرائيل من الرد السعودي على استهدافها أهدافًا عديدة في إيران، إذ قالت الرياض: “ندين بشدة الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على جمهورية إيران الإسلامية الشقيقة”، معتبرة هذه الاعتداءات انتهاكًا خطيرًا يمس سيادة إيران وأمنها ومخالفة صريحة للقوانين والأعراف الدولية. كانت العبارات مثيرة للانتباه، ومصطلح “شقيقة” له دلالة على أن السعودية تود احتواء إيران ولا تريد أن تُرى بأي حال من الأحوال شريكة لإسرائيل في الحرب ضدها، كما تروّج لذلك الصحف الغربية والأميركية والإسرائيلية.

منذ 7 أكتوبر 2023، تقوم السعودية بعملية توازن تركز على عدم التصعيد في المنطقة، وتحولت إلى منصة للحوار في مختلف النزاعات الإقليمية والعالمية

أدركت إسرائيل أن كل محاولاتها منذ سنوات لتطبيع العلاقات مع السعودية ذهبت أدراج الرياح بهذا البيان السعودي ضدها. وقد انعكست هذه السياسة بـ”اتفاقات إبراهيم”، وكان الهدف إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية وتوسيعها، وبشكل خاص مع السعودية، لتتبعها بقية الدول العربية والإسلامية.

منذ 7 أكتوبر 2023، تقوم السعودية بعملية توازن تركز على عدم التصعيد في المنطقة، وتحولت إلى منصة للحوار في مختلف النزاعات الإقليمية والعالمية، واستضافت العديد من القمم الكبيرة حول قضايا منها حرب غزة، وشارك فيها بانتظام ممثلون إيرانيون أيضًا، وهو نموذج يركز على التقارب بدل النزاع.

هناك أيضًا تحركات دبلوماسية سعودية لخفض التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، إذ استقبل الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي نظيره الألماني يوهان فاديفول، الذي قطع زيارته لإسرائيل وتوجه إلى السعودية لمناقشة تداعيات التصعيد العسكري، إلى جانب قادة آخرين. وأكدت الرياض أن على المجتمع الدولي ومجلس الأمن مسؤولية كبيرة تجاه وقف هذا العدوان بشكل فوري.

التحرك السعودي يعكس إدراكًا خليجيًا متزايدًا لخطورة المرحلة الحالية، في ظل احتمالات اتساع دائرة المواجهة بين إيران وإسرائيل وتأثيراتها المحتملة على أمن المنطقة وممرات الطاقة والتجارة الدولية.

تعتمد السعودية لحماية أجوائها وتعزيز منظومة الأمن الخليجي على شبكة دفاعية متطورة تتصدرها منظومة “ثاد” لاعتراض الصواريخ الباليستية، وأنظمة “باتريوت” المتطورة، إلى جانب منظومات ليزرية، مدعومة بقواعد أنظمة الدفاع الجوي السعودي المتكاملة لدعم الدفاع الجماعي. وتعمل وزارة الدفاع السعودية بشكل مستمر على تعزيز هذه الترسانة عبر صفقات تسليح متطورة، وبرامج لتوطين الصناعات العسكرية لدعم جاهزية قوات درع الجزيرة وتوفير مظلة أمنية خليجية موحدة.

استراتيجية السعودية تقوم على امتلاك خبرات متطورة لإسقاط المسيرات، مستفيدة من الخبرات الميدانية الأوكرانية في الدفاع الجوي وتطوير أنظمة الكشف والتصدي للطائرات المسيّرة.

إلى جانب ذلك، أعلنت السعودية عن ميلاد قوة خليجية تفرض شروطها وتعتمد على نفسها ذاتيًا، في تحول من الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة. هذا التحول سيكون مفاجئًا للبعض وقاتمًا للأغلبية، وهو بمثابة انطلاق السيادة السعودية. فقد قررت الرياض التحرك كقوة إقليمية مستقلة، لا كحليف تابع، عبر تنويع شراكاتها مع أميركا والصين وروسيا، لتصبح مركزًا لتشكيل توازن الرعب وإنهاء الهيمنة الأميركية المفرطة التي تتلاعب بالمنطقة. وذلك عبر منظومة ردع ذكية تُصنع في الرياض، بعدما قرأت السعودية مؤامرة الاستنزاف الأميركية بعناية فائقة، وقررت وقف الاعتماد الكلي على أميركا وتنويع شراكاتها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى