السبب الحقيقي وراء تفوق الذكاء الاصطناعي الصيني في الجنوب العالمي

ليزي سي. لي – مجلة “فورين بوليسي” الأميركية:
بيجين سعيدة بأن تتيح للآخرين التقدّم باستخدام أدواتها.
تشهد النماذج الصينية مفتوحة الأوزان، أي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُتاح أوزانها الأساسية للعامة، زخماً متزايداً. فعلى سبيل المثال، يضم نموذج “Qwen” التابع لشركة “علي بابا” 151,448 نموذجاً مشتقاً على منصة “Hugging Face”. وهذه النماذج عبارة عن تعديلات مخصصة، أجراها المبرمجون عبر ضبط بنية “Qwen” لتلائم احتياجاتهم الخاصة. وبذلك، أصبح حضور “Qwen” في مستودعات البرمجيات أكبر بـ4.7 مرات من نموذج “Llama” التابع لشركة “ميتا”، وبنحو الضعف مقارنة بنموذج “Gemma” التابع لـ”غوغل”. كما يسجل 39.6 مليون عملية تنزيل شهرية بصيغة “GGUF”، وهي صيغة خفيفة محسّنة للتشغيل على الأجهزة المحلية، متقدماً بفارق كبير على “Llama” الذي يسجل 7.5 ملايين عملية تنزيل.
ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه الأرقام. فما زالت نماذج الأعمال لدى العديد من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، ولا سيما “OpenAI” و”Anthropic”، تتبع إلى حد كبير نهج “الحديقة المسوّرة”، حيث يجري تنظيم الوصول إليها عبر واجهات برمجة التطبيقات “APIs” والاشتراكات. وهذا النموذج يصعب تسويقه في الأسواق الحساسة للكلفة في مختلف أنحاء الجنوب العالمي.
أما النماذج الصينية مفتوحة الأوزان، فتقدم بديلاً قابلاً للتطبيق. وقد أشار محللون في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان إلى أنها تمثل جيلاً جديداً من البنية التحتية الرقمية يحمل في طياته تداعيات جيوسياسية. لكن الفارق الأساسي بينها وبين، على سبيل المثال، مبادرة الحزام والطريق، وهي مبادرة الاستثمار العالمية التي روّجت لها الصين على نطاق واسع، يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي الصيني لا يحتاج إلى أن تدفع به الحكومة المركزية. بل إن المطورين في أنحاء العالم هم، في الواقع، من يجذبون بيجين إليه.
وقد بدأ تبنّي هذه النماذج قبل وقت طويل من تقديم الرئيس الصيني شي جين بينغ دعوته الشهيرة لقادة الجنوب العالمي خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي في تموز/يوليو. وهذه نقطة بالغة الأهمية، إذ إن النفوذ الجيوسياسي الناجم عن ذلك قد يكون أكثر تلقائية، وبالتالي أكثر صعوبة في الإزاحة.
وثمة سابقة مفيدة من جيل سابق من تقنيات المصادر المفتوحة. فقد أحدث نظام التشغيل مفتوح المصدر “Linux”، الذي شكّل بديلاً عن “Windows”، ثورة في الحوسبة المؤسسية من دون أن يبيع البرنامج نفسه مباشرة. وتمكنت شركات مثل Red Hat من بناء أعمال مربحة حول اشتراكات وخدمات المؤسسات التي أُنشئت فوق منظومة “Linux”. ومن خلال منح المستخدمين المرونة اللازمة لتكييف النظام، تحول”Linux” إلى معيار عالمي لا غنى عنه.
وقد تسلك نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة الأوزان مساراً مشابهاً، فتصبح فعلياً بمثابة “Linux” لعصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، في الوقت نفسه الذي تدفع فيه الطلب على الأجهزة والخدمات السحابية اللازمة لتشغيلها محلياً. والعديد منها يفعل ذلك بالفعل. وفي الواقع، تعمل شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، وفي مقدمتها “علي بابا”، في الوقت نفسه كمطورين لنماذج مفتوحة الأوزان ومقدمي خدمات سحابية.
ومن المثير للاهتمام أن هذا النهج لا يقتصر على المصادر المفتوحة. فهو واضح بالفعل في مجال تكنولوجي آخر تتصدر فيه الصين: المركبات الكهربائية. وقد يكون الذكاء الاصطناعي هو المجال التالي.
فقصة المركبات الكهربائية الصينية في أفريقيا، على سبيل المثال، ليست مجرد قصة إغراق الأسواق بمركبات صينية مكتملة الصنع. فجزء كبير من النشاط يتركز في سيارات الأجرة التجارية على الدراجات النارية المعروفة باسم “بودا بودا”، والمصممة بما يتلاءم مع الواقع المحلي من حيث توافر البطاريات وإمدادات الكهرباء والحساسية تجاه الأسعار. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يشكّل عدم استقرار شبكات الكهرباء عائقاً رئيسياً، كما أن العديد من المشغلين لا يستطيعون تحمل كلفة شراء مركبة كهربائية مكتملة تتطلب شبكة كهرباء موثوقة وكلفة أولية مرتفعة.
وقد تعامل الموردون الصينيون مع هذه السوق من خلال توفير مكونات معيارية، مثل بطاريات الليثيوم، لشركات محلية مثل Zeno Uganda. ثم تستخدم “Zeno” هذه المكونات لبناء منظومة محلية لتبديل البطاريات وفق نموذج “البطارية كخدمة” “Battery-as-a-Service”، بما يتناسب مع قيود البنية التحتية المحلية. وفي غانا، تستورد شركات ناشئة مثل SolarTaxi الألواح الشمسية والبطاريات والمحركات الكهربائية الصينية، ثم تستخدمها لتعديل الدراجات ذات العجلتين ومركبات “التوك توك” منخفضة الكلفة بما يلائم الطلب المحلي.
وهذا هو نموذج شبيه بـ”ليغو”. إذ تصل التكنولوجيا الصينية على هيئة مكونات قابلة للاستبدال، ثم تحوّل الشركات المحلية هذه الأجزاء إلى منتجات ملائمة لأسواقها، وغالباً ما تدمجها مع برامج تمويل أصغر محلية لتوسيع إمكان الوصول إليها على المستوى الشعبي، وتدرّب فرقاً محلية على الصيانة وتطوير التكنولوجيا.
ويتبع تبنّي الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان في الجنوب العالمي منطقاً مشابهاً، بل إنه يذهب أبعد من ذلك في بعض الجوانب. فالنماذج نفسها تعمل بمثابة قطع “ليغو” يمكن للمطورين استخدامها وتكييفها وتجميعها، والأهم من ذلك، الابتكار فوقها لإنشاء منتجات جديدة كلياً. وهذا يخلق فرصة هائلة أمام الاقتصادات المحلية للاستفادة من التطور العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه المساهمة في بناء كفاءات تقنية محلية.
وطورت شركات التكنولوجيا الصينية منتجاتها في ظل قيود صارمة على القدرة الحاسوبية والأجهزة، ما دفعها نحو تحقيق كفاءة أعلى في الخوارزميات وتطوير نماذج يمكن تشغيلها محلياً على أجهزة أقل تطلباً. ويشكّل ذلك ميزة في المناطق التي تعاني قيوداً في إمدادات الطاقة ولا تستطيع تشغيل مجموعات حوسبة ضخمة.
كما تتميز بنى الذكاء الاصطناعي الصينية بأداء جيد مع أنظمة الكتابة متعددة البايتات وغير اللاتينية، مثل البورمية والإندونيسية والماليزية والفلبينية والتاميلية والتايلاندية والفيتنامية. وبوسع المطورين الذين يمكنهم الوصول إلى البنية تدريب نماذج بلغات إقليمية وضبطها بما يتلاءم مع الاستخدام المحلي.
وبطبيعة الحال، للكلفة أهمية أيضاً. فالعديد من النماذج الصينية أرخص بكثير من النماذج الأميركية الاحتكارية، في حين تمنح الأوزان المفتوحة المطورين أيضاً خيار الاستضافة الذاتية. وبالنسبة إلى المطورين الصغار الذين يعملون بميزانيات محدودة، يصعب تبرير دفع رسوم اشتراكات مرتفعة مقابل تحسينات هامشية في الأداء.
ثم هناك مسألة السيادة. فالبنى مفتوحة الأوزان تمنح الحكومات سيطرة أكبر على مكان تخزين البيانات ومعالجتها. وهذا الأمر مهم في الدول التي تتحفظ على تمرير المعلومات الحساسة عبر مزودي الخدمات السحابية الخاضعين للسيطرة الأميركية، ولا سيما مع استمرار الجدل بشأن مدى سريان قوانين مثل قانون “CLOUD” الأميركي.
وقد بدأت هذه الظاهرة تظهر بالفعل على أرض الواقع. إذ تستخدم عدة دول التكنولوجيا الصينية لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي محلية. فقد أطلقت سنغافورة نظام “SEA-LION”، المصمم ليكون نظام ذكاء اصطناعي إقليمياً لجنوب شرق آسيا. ويهدف المشروع إلى منح دول جنوب شرق آسيا نموذجاً تأسيسياً سيادياً يوفر دعماً أفضل للغات المحلية وإمكانات الضبط الدقيق. أما أفضل نماذجه أداءً، “SEA-LION v4.5″، فهو مبني على “Qwen”.
وتقيّم ماليزيا مبادرة للذكاء الاصطناعي السيادي بقيمة 494 مليون دولار تعتمد على رقائق “Ascend 910C” التابعة لـ”هواوي”، بهدف تعزيز السيطرة على البيانات الوطنية، رغم التحذيرات الأميركية المتعلقة بضوابط تصدير أشباه الموصلات.
ولم يعد هذا الاتجاه يقتصر على جنوب شرق آسيا، بل امتد إلى الفناء الخلفي للولايات المتحدة. فقد ذهبت البرازيل أبعد من ذلك بالفعل. ففي آب/أغسطس، أعلنت حكومتها عن مشروع للحوسبة الفائقة بقيمة 251 مليون دولار في ريو دي جانيرو، يُطوّر بالتعاون مع “هواوي” و”iFlytek”، إلى جانب مناقصة منفصلة لحاسوب فائق بقيمة 193 مليون دولار، في إطار سعيها إلى موازنة النفوذ الأميركي. كما أن نموذج “Rio-3.5-Open-397B”، الذي أطلقته شركة تكنولوجيا المعلومات التابعة لبلدية ريو، قائم أيضاً على “Qwen 3.5”.
ولا يتطلب أي من ذلك من الحكومات أو المطورين أن “يختاروا الصين على حساب الولايات المتحدة” بالمعنى الجيوسياسي أو الأيديولوجي. وحتى في الوقت الذي تحاول فيه “Pax Silica” دفع شركاء الولايات المتحدة نحو سلاسل توريد التكنولوجيا التي تفضلها واشنطن، يمكن للمطورين تبنّي النماذج الصينية لأسباب عملية تماماً: السعر مناسب، والمرونة عالية، وهي ببساطة الخيار الأفضل لبعض الاحتياجات.
كما أن التبنّي ليس خياراً ثنائياً. فالمطورون في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يستخدمون بالفعل مزيجاً من النماذج المغلقة ومفتوحة الأوزان تبعاً لطبيعة عبء العمل. وهذا ليس سوى منطق تجاري.
لكن بمجرد أن تنمو التطبيقات وخطوط معالجة البيانات والأجهزة والخدمات حول تلك النماذج، تصبح عملية الانتقال إلى غيرها مكلفة. وقد يتحول خيار عملي اليوم إلى اعتماد هيكلي غداً، وهو ما ينطوي على تداعيات جيوسياسية.
وهذا تحديداً ما ينبغي لواشنطن مراقبته. فأكثر أشكال الاعتماد التكنولوجي رسوخاً هو ذلك الذي يختاره المستخدمون بأنفسهم. وإذا بدأت الأسواق الناشئة في تشكيل مستقبلها الرقمي حول النماذج الصينية مفتوحة الأوزان، فقد تتمكن الصين من أن تفعل في مجال الذكاء الاصطناعي ما فعلته بالفعل في المركبات الكهربائية: ترسيخ نفوذ طويل الأمد من خلال توفير اللبنات التي يبني الآخرون باستخدامها.




