رأي

الزمن قبل البرميل: حدود دور النفط الليبي أمام أزمتي هرمز وباب المندب

حسام حمزة – الميادين:

أزمة هرمز وباب المندب تكشف محدودية النفط الليبي كصمام أمان فوري، بسبب فجوة الإنتاج والبنية التحتية والزمن والقيود الجيوسياسية.

يفرض التزامن بين أزمتي مضيق هرمز وباب المندب واقعاً استثنائياً على معمار الطاقة العالمي. إنّ المقصود هنا هو تقاطع صدمة تصيب الإنتاج في الخليج مع اضطرابٍ يطال مسارات الشحن في البحر الأحمر في لحظة واحدة، فتتشكّل بذلك ضغوط مركّبة تتجاوز في آثارها ما يمكن أن تنتجه كلّ أزمة على حدة.

وقد بلغ فقدان الإمدادات الناجم عن أزمة هرمز في آذار/مارس 2026 نحو 8 ملايين برميل يومياً، قبل أن يتجاوز 12 مليون برميل يومياً بحلول منتصف الشهر ذاته، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، وهو حجم يعادل 11.5% من الطلب العالمي، ويتجاوز مجموع صدمتي حظر 1973 وثورة 1979 مجتمعتين.

وفي موازاة اتساع فجوة الإمدادات، قفز سعر خام برنت من 71 دولاراً للبرميل في 27 شباط/فبراير إلى 94 دولاراً بحلول 9 آذار/مارس، ثم بلغ نحو 112 دولاراً مع نهاية الشهر، مسجّلاً ارتفاعاً قدّر بـ58% خلال أقلّ من شهر واحد.

تكشف هذه الحركة السعرية سرعة انتقال الصدمة الجيوسياسية إلى الأسواق، وتستدعي في الوقت ذاته إعادة النظر في افتراض تروّج له بعض دوائر صناعة القرار الأميركية، مؤدّاه أنّ وجود احتياطي إنتاجي هامشي، كالاحتياط الليبي، يوفّر صمّام أمان قادراً على امتصاص جانب معتبر من الصدمة في حال ما رفعت قدرات ليبيا الإنتاجية.

تنبع الأطروحة المركزية لتحليلنا هذا من الفجوة الزمنية الفاصلة بين التسارع الحادّ للأزمة الجيوسياسية وبطء الاستجابة البنيوية للقطاع النفطي الليبي، فكلما اتسعت المسافة الزمنية بين لحظة وقوع الصدمة ولحظة تعافي القدرة الإنتاجية البديلة، تراجعت القيمة التشغيلية لهذا الاحتياطي في إدارة الأزمة الآنية، وتصبح قيمته المضافة أكثر احتمالاً ضمن الآفاق الاستراتيجية الأطول.

بناء على هذا، يصبح استدعاء النفط الليبي لتسكين حدّة تداعيات أزمتي هرمز وباب المندب أقرب إلى أداة تطمين سياسي واستثمار استراتيجي في استقرار السوق منه إلى صمام أمان فوري قادر على سدّ فجوة الإمدادات خلال أسابيع.

الفجوة: الكمية المزدوجة

تتباين طبيعة الأزمتين في هرمز وباب المندب، ويستحقّ هذا التباين تحديداً دقيقاً لما يقتضيه من اختلاف في أدوات الاستجابة بما يتناسب مع كلّ أزمة.

فمضيق هرمز، الذي كان يمرّ عبره في الظروف الطبيعية نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 25% من التجارة البحرية العالمية للنفط، يمثّل نقطة اختناق استراتيجية في منظومة الإنتاج والتصدير الخليجي، وكلّ اختلال فيه يؤدّي إلى تقليص قدرة المنتجين على إيصال كـمّيات كبيرة من الخام إلى الأسواق الدولية.

أمّا الاضطراب في باب المندب فيضرّ أساساً بمسارات الشحن والتأمين البحري، وقد تراجعت التدفّقات بسببه من 9.3 ملايين برميل يومياً في 2023 إلى نحو 4.1 ملايين برميل يومياً في 2024، ثمّ وصلت إلى مستويات قريبة من الصفر مطلع آب/أغسطس 2026 عقب إعلان “أنصار الله” حصاراً بحرياً على السعودية. وفي غمرة هذه التطوّرات، هوت شحنات الخام السعودية عبر المضيق بنسبة 36% خلال أسبوعين، من ذروة بلغت 9.5 ملايين برميل يومياً إلى 6.1 ملايين فقط.

وتتسع دائرة الأثر اللوجستي لتشمل قناة السويس، التي خسرت من جرّاء تحويل مسارات أكثر من 2000 سفينة نحو رأس الرجاء الصالح ما يقارب 6 مليارات دولار من عوائدها خلال عام 2024 وحده، بالتزامن مع إطالة زمن الرحلة البحرية بما يصل إلى 3 أسابيع إضافية.

وفق هذا المنوال، يتضح أنّ أزمة باب المندب هي من طبيعة شبكية متشعّبة، تمتدّ من الممرّ البحري إلى زمن الرحلة وصولاً إلى إعادة توجيه الأساطيل مروراً بتكاليف التأمين، فيما ترتبط أزمة هرمز بصورة أكثر مباشرة بحجم الإمدادات الخارجة من منطقة الخليج.

تنبني على هذا التمايز نتيجة تحليلية أساسية: القدرة الإنتاجية البديلة إن وجدت، ومنها الإنتاج الليبي، تقدّم مساهمة مباشرة في معالجة فجوة الإنتاج الخليجي، بينما تتطلّب معالجة اضطراب البحر الأحمر أدوات تنتمي إلى المجال اللوجستي والتشغيلي البحري، وفي مقدّمتها إعادة توزيع حركة الناقلات وتوفير مسارات بديلة وإدارة مخاطر التأمين والنقل. وعليه، فإنّ طبيعة الصدمة هي المحدّد لنوع الأداة القابلة للاستخدام في مواجهتها.

من الجيد أن نذكّر هنا بأنّ السقف الإنتاجي الليبي الواقعي بلغ زهاء 1.5 مليون برميل يومياً بعد سنوات من التعافي التدريجي. وفي السياق العالمي، تقدّر الطاقة الفائضة المسجّلة لدى الوكالة الدولية للطاقة بنحو 4.4 ملايين برميل يومياً فقط، مع تمركز أكثر من 75% منها داخل دول الخليج المتضرّرة من أزمتي هرمز وباب المندب. وبحكم تركّزها في جغرافيا ضيّقة، فإنّ هامش استخدام هذه الفوائض كأداة تعويض مستقلة يكاد يكون معدوماً، فيما تكشف الحسابات الكمية أنّ التغطية الليبية الفعلية لا تتجاوز 12% من إجمالي الطاقة الفائضة العالمية المتاحة نظرياً، حتى مع بلوغ جهود الاستنفار الإنتاجي أقصى مستوياتها.

ثلاثة قيود بنيوية

تتحدّد القدرة الليبية على الاستجابة السريعة ضمن ثلاثة قيود بنيوية متشابكة، يتصدّرها الانقسام المؤسسي بين حكومتين تتنازعان الشرعية، إلى جانب تباين موازين السيطرة على حقول الإنتاج بين الشرق والغرب، وتعقّد آليات توزيع العوائد عبر المصرف المركزي. وتضع هذه البنية المؤسّسية القرارات المتعلّقة بالإنتاج والتصدير ضمن شبكة من التوافقات السياسية المتغيّرة تجعل الاستجابة السريعة رهناً بقدرة الفاعلين المحليّين على إنتاج توافق عمليّ حول إدارة الموارد وتوجيه عوائدها.

أمّا القيد الثاني فيأتي من واقع البنية التحتية التي راكمت سنوات طويلة من التآكل والاستنزاف. ويمنحنا مشروع إعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف، البالغة طاقتها التصميمية 220 ألف برميل يومياً والمتوقّفة منذ عام 2013، صورة جليّةً من حجم التحدّي الهندسي والتمويلي المطلوب لاستعادة الطاقة التكريرية الكاملة لمصافي ليبيا. وحين نعرف أنّ المشروع يمتد على أفق زمني يساوي 12 شهراً بدءاً من أيار/مايو 2026، سندرك كبر المسافة الفاصلة بين قرار الاستثمار وبين ظهور أثره التشغيلي في السوق.

ويستكمل القيد الثالث سجل الهشاشة الأمنية المتكرّرة، إذ تشهد الحقول والموانئ إغلاقات مفاجئة لدواعٍ سياسية وأمنية على نحو يؤثّر سلبياً على استقرار التدفّقات وفي قدرة المنتجين على تقديم التزامات تعاقدية طويلة الأمد توفّر للمستوردين والشركاء الدوليين درجة عالية من اليقين.

تزداد هذه الهشاشة ارتباطاً بالبنية المالية للدولة، في ظلّ اعتماد الخزينة الليبية على عائدات المحروقات في 90% من إجمالي إيرادات الدولة، التي بلغت نحو 21 مليار دولار خلال عام 2025 بزيادة نسبتها 15% على أساس سنوي. ويقيّد هذا الاعتماد القرارات المتعلّقة بتحويل وجهة الصادرات أو تعديل وتيرة الإنتاج بحسابات مالية داخلية دقيقة، تتصل بتمويل الدولة واستقرارها المالي بقدر اتصالها باعتبارات السوق الدولية.

عامل الزمن كمتغيّر تحليل مركزي

يشكّل البعد الزمني قلب الإشكالية التحليلية في هذا الملف، لأنّ القيمة الفعلية لأيّ قدرة إنتاجية بديلة تتحدّد بقدر ما تستطيع الوصول إلى السوق ضمن الإطار الزمني الذي تفرضه الصدمة. من هذا المنظور، يمكن تفكيك الاستجابة الليبية إلى ثلاثة مستويات زمنية متمايزة، تتدرّج من استعادة الطاقة المعطّلة، إلى تأهيل البنية القائمة، ثم تطوير موارد جديدة.

يتمثّل المستوى الأوّل في استرداد الطاقة المعطّلة عبر إعادة تشغيل الآبار المتوقّفة، وهو مسار يمتدّ من أسابيع إلى أشهر. مثال ذلك إعادة تشغيل البئر J-0 في حقل “متخندوش” خلال تموز/يوليو 2026، الذي لم يضف إلى الإنتاج سوى 1630 برميلاً يومياً. وإن كانت هذه الزيادة تمثّل خطوة تشغيلية مهمّة في سياق استعادة القدرة المحلية، فإنّ أثرها الكمّي يظلّ محدوداً عند مقارنتها بحجم الفجوة الكلية التي أحدثتها أزمة هرمز.

ويمتدّ المستوى الثاني إلى تأهيل البنية التحتية القائمة، وفي مقدّمتها مصفاة رأس لانوف وشبكات الأنابيب، ضمن أفق يتراوح بين عام وثلاثة أعوام. ويقيّد حجم الاستثمارات المتاحة، ناهيك بقدرة المؤسّسات والشركات على تنفيذ المشاريع بكفاءة، سرعة هذا المسار، إذ تقدّر احتياجات الاستثمار بنحو 20 مليار دولار لكامل القطاع، منها 3 إلى 4 مليارات دولار كحدّ أدنى لتحديث شبكة الأنابيب وحدها.

أما المستوى الثالث، فيتصل بالاستكشاف وتطوير حقول جديدة عقب جولة التراخيص المعلنة في شباط/فبراير 2026، وهي الجولة الأولى منذ 17 عاماً، وشملت 22 قطعة استكشافية فازت بها ائتلافات ضمّت ريبسول وإيني وقطر للطاقة وشيفرون. ويمتدّ الأفق الزمني لهذا المسار بين 5 و10 أعوام وفق المعايير القياسية لصناعة النفط، خصوصاً بالنسبة إلى القطع البحرية التي شكّلت 11 قطعة من إجمالي القطع الممنوحة. ويعني ذلك أنّ العائد الإنتاجي الكامل لهذه الجولة يرتبط بمسار استثماري طويل يبدأ بالاستكشاف ويمرّ بالتقييم والحفر والتطوير وصولاً إلى الإنتاج التجاري.

يكشف رسم هذا المسار الثلاثي عن فجوة زمنية عميقة بين إيقاع الأزمة العسكرية-السياسية، الذي تقاس تداعياته الاقتصادية بالأسابيع، وإيقاع الاستجابة الإنتاجية الليبية، الذي يتدرّج من الأشهر إلى الأعوام.

من هنا، يصبح عامل الزمن محدّداً حاسماً في تقدير جدوى الطرح الأميركي، لأنّ قيمة الاحتياطي الليبي ترتبط بقدرته على التفاعل مع اللحظة السوقية التي تستدعي استخدامه، أكثر من ارتباطها بحجمه الجيولوجي أو إمكاناته الإنتاجية المستقبلية.

البعد الجيوسياسي: حدود الأداة الأميركية

تتعدّد الجهات الفاعلة المتحكّمة في الإنتاج الليبي، وفي هذا تقييد لقدرة واشنطن على التوجيه المباشر، فمن المعروف أنّ السلطة الفعلية على قرارات الإنتاج والتصدير تتقاسمها مؤسسات محلية متنازعة الشرعية، إلى جانب شركات دولية كبرى تدير عملياتها وفق منطق تجاري بحت.

يضاف إلى ذلك إشكالية الوجهة الطبيعية للنفط الليبي الخفيف الحلو، الموجّه بنيوياً نحو مصافي أوروبا التي استقبلت وحدها 68% من إجمالي الصادرات الليبية بين عامي 2021 و2024، مع تصدّر إيطاليا قائمة المستوردين باستحواذها على 13.4 مليون طن من الخام الليبي خلال 2025، أي ما يعادل ربع إجمالي وارداتها النفطية.

يقابل هذا التمركز الأوروبي واقع النفط الخليجي المتضرّر، الذي تستقبل الصين والهند وحدهما 44% منه، فيما تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية على هرمز فيما يربو عن 90% من وارداتهما، مما يجعل تلبية الطلب الآسيوي المباشر بخام موجّه بالأساس نحو أوروبا أمراً بالغ التعقيد.

وقد عمدت الوكالة الدولية للطاقة، في محاولة موازية للتخفيف الفوري من وطأة الأزمة، إلى إطلاق عملية سحب منسّق من الاحتياطيات الاستراتيجية بلغت 400 مليون برميل من 32 دولة عضواً خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، ساهمت فيها الولايات المتحدة بـ172 مليون برميل موزّعة على 120 يوماً، في مؤشّر دال على أنّ أدوات الاستجابة الفعلية للأزمة ظلّت بعيدة كلّياً عن الملف الليبي.

في هذا السياق، يفيد إطار الاعتماد المتبادل المُسلَّح، الذي طوّره فاريل ونيومان، في تفسير هذا الإشكال لأنه يكشف أنّ مجرّد الوصول إلى مصدر بديل لا يمنح واشنطن بالضرورة قدرة تحكّم فعلية فيه، بقدر ما يبقيها رهينة شبكة معقّدة من الاعتماد المتبادل مع شركاء أوروبيين يتقاسمون معها مصالح متمايزة في توجيه إنتاج هذا المصدر.

وتبقى الأدوات الفعلية القادرة على سدّ الفجوة الآنية محصورة في الاحتياطي الاستراتيجي العالمي، الذي أثبتت عملية السحب المنسّق لعام 2026 محدودية أثره أمام نقص فاق 12 مليون برميل يومياً، إلى جانب الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى تحالف أوبك+ خارج نطاق العقوبات، وإعادة الهيكلة اللوجستية لأساطيل الناقلات

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى