رأي

 الرجل الساعي لحكم العالم

مقال للكاتب لورانس ويتنر في موقع “antiwar” الأميركي، ينتقد بشدة سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويصوره كشخص يميل إلى التوسع والهيمنة وفرض النفوذ على المستوى الدولي.

لورانس ويتنر – antiwar:

على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن متواضعاً أبداً بشأن قدراته أو متردداً في ممارسة السلطة بشخصانية، إلا أنه زاد على ذلك في ولايته الرئاسية الثانية علامات واضحة على جنون العظمة.

فهو لم يتورع عن مطالبته الصريحة بأراضي دول أخرى. ومنذ كانون الثاني/ يناير 2025، اقترح ضم أو السيطرة على غرينلاند، وكندا، والمكسيك، وقناة بنما، وغزة، وفنزويلا، وكوبا. إضافة إلى ذلك، أعلن “مبدأ دونرو”، مصرحاً بأن “الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي غير قابلة للنقاش”.

كذلك، ومع أن حلف “الناتو” يُشكّل ميثاقاً أمنياً جماعياً، وكان حجر الزاوية في سياسة الدفاع الأميركية على مدى السنوات الـ 77 الماضية، إلا أن ترامب أصبح ناقداً لاذعاً للحلف لدرجة أن أعضاءه الآخرين المذهولين من هذا التحول في الأحداث، بدأوا في استكشاف إعادة تشكيل التحالف الغربي دون مشاركة الولايات المتحدة.

كذلك أكدت إجراءات أخرى أيضاً قرار ترامب بالانفراد في الشؤون العالمية، كما فعل أبرز الغزاة العسكريين في الماضي، شُغل ترامب بتعزيز القوات المسلحة الأميركية وتطوير ترسانتها التي تعتبر بالفعل المنفق العسكري الأكبر في العالم، حيث يبلغ إنفاق الولايات المتحدة العسكري 3 أضعاف إنفاق ثاني أكبر دولة وهي الصين.

ومع ذلك، اقترح ترامب منذ نحو شهرين اعتماد ميزانية عسكرية أميركية قياسية قدرها 1.5 تريليون دولار، مع أكبر زيادة سنوية على الإطلاق في تمويل “البنتاغون” بنسبة 42، ولا تشمل هذه الزيادة الهائلة ميزانية تكميلية متوقعة للحرب مع إيران، والتي قد تصل تكلفتها إلى 200 مليار دولار إضافية.

وتتضمن ميزانية ترامب العسكرية للسنة المالية 2027، 98 مليار دولار للإنفاق على الأسلحة النووية، معظمها لبناء جيل جديد من الأسلحة النووية.

وبعد انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من معاهدات الحد من التسلح النووي ونزع السلاح السابقة مع روسيا، والسماح مؤخراً بانتهاء صلاحية آخرها، باتت لديه قيود أقل على طموحاته النووية.

وبسبب ذلك، أعلن مؤخراً أنه أصدر أوامر باستئناف التجارب النووية الأميركية، التي لم تُجر منذ عام 1992. علاوة على ذلك، وكما فعل رؤساء الولايات المتحدة السابقين، يفترض ترامب أنه لديه سلطة شن حرب نووية بمفرده تماماً، وقد هدد بذلك علناً وبشكل متكرر.

ومع أن الدستور الأميركي يمنح “الكونغرس”، وليس الرئيس سلطة إعلان الحرب، إلا أن ترامب لم يتردد في إرسال القوات المسلحة الأميركية إلى القتال.

وفي غضون ما يزيد عن عام بقليل، ودون حتى استشارة “الكونغرس”، أمر بقصف المنشآت النووية الإيرانية، وتدمير عشرات القوارب المشبوهة وطواقمها، وقصف فنزويلا واختطاف رئيسها، وفرض حصار بحري على كوبا، وشنّ بالاشتراك مع “إسرائيل” حرباً قوية على إيران، أودت بحياة الآلاف، وجرحت عشرات الآلاف، وشردت 3.2 مليون إيراني، ودفعت بالاقتصاد العالمي نحو الاضطراب، وبينما يعارضها الكثيرون ما تزال مستمرة حتى اليوم.

حين سُئل ترامب في بداية العام الجاري عن هذه الإجراءات على الساحة العالمية، تجاهل القانون الدولي، وقال إنه يعتمد فقط على رأيه الشخصي، الذي هو “الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني”.

فليس من المستغرب أن ترامب لا يُولي أي اهتمام للأمم المتحدة ومعظم المنظمات الدولية الأخرى، وقد سعى جاهداً لإضعافها منذ بداية ولايته الثانية، حيث دفع الحكومة الأميركية إلى الانسحاب من وكالات الأمم المتحدة الرئيسية، مثل منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع لها، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ومنظمة “اليونسكو”.

إضافةً إلى ذلك، فرضت إدارة ترامب عقوبات قاسية على المحكمة الجنائية الدولية وكبار مسؤوليها.

كما كانت تخفيضات التمويل الأميركي للأمم المتحدة حادة، وفي تموز/ يوليو في العام الماضي 2025، مررت إدارة ترامب تشريعاً لإلغاء التمويل عبر “الكونغرس” الذي يسيطر عليه الجمهوريون، ما أدى إلى سحب مليار دولار من التمويل المخصص سابقاً للمنظمة الدولية، وكان لذلك آثار مدمرة على مجموعة واسعة من البرامج، من ضمنها “اليونيسف”، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وصندوق الأمم المتحدة لضحايا التعذيب.

علاوة على ذلك، رفضت الإدارة سداد مستحقاتها الإلزامية للأمم المتحدة، ما أدى إلى تراكم ديون لها هي الأكبر في العالم بنحو 4 مليارات دولار. ونتيجة لذلك، حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش منذ أشهر قليلة، من أن المنظمة الدولية تواجه “انهياراً مالياً وشيكاً”.

في أيلول/ سبتمبر العام الماضي، تصاعدت حدة عداء ترامب تجاه الأمم المتحدة إلى ما وصفته صحيفة “لوموند” بـ”خطاب لاذع” خلال أول ظهور له أمام الجمعية العامة منذ إعادة انتخابه.

وفيما وصفته الصحيفة الفرنسية بـ”هجوم شامل على المنظمة العالمية”، أدان ترامب المنظمة لـ”وعودها الجوفاء”، وتقاعسها عن مساعدته على 7 حروب يزعم أنه أوقفها، و”تمويلها لهجوم” اللاجئين على الدول الغربية. كما وصف تغير المناخ بأنه “أكبر عملية احتيال يتعرض لها العالم على الإطلاق.

ومع أنه من المغري اعتبار هذا السلوك انعكاساً لنزعة قومية مفرطة، إلا أن الدرجة الملحوظة التي يعتبر بها ترامب نفسه منقذ العالم تشير إلى شهوة شخصية أكبر للسلطة العليا، حيث تتجلى رؤية ترامب للعالم، وتتمحور حول إنشائه “مجلس السلام” الدولي. ورغم أن نشاط المجلس الأولي كان “مشروع سلام” لغزة، إلا أن ميثاقه دعا إلى “هيئة دولية لبناء السلام أكثر مرونة وفعالية”، ووصف المجلس بأنه بديل للأمم المتحدة الأمر الذي دفع مسؤولين أوروبيين إلى السخط من تصريحاته.

وترامب الذي عيّن نفسه رئيساً مدى الحياة لـ”مجلس السلام”، هو من يقرر من هي الدول التي يمكنها الانضمام إلى المجلس حيث تصبح الدول التي تدفع مليار دولار أو أكثر أعضاءً دائمين فيه، كما يمكنهم الانضمام إلى المجلس التنفيذي الذي يتولى تنفيذ قرارات المجلس المذكور. وقد منح ترامب حق النقض الفيتو على قرارات المجلس التنفيذي فقط لترامب وحده.

إن هذا الانحدار إلى جنون العظمة أمر مقلق للغاية، لأن المخاطر التي تهدد العالم، بل وحتى بقاء الإنسان، تتفاقم بشكل حاد بسبب حكم الرجل الواحد، وحتى بسبب حكم الدولة الواحدة. فكم من الوقت سيستغرق إدراك أن الأمن الدولي يتطلب تقاسم السلطة بين جميع الشعوب والأمم في المجتمع العالمي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى