رأي

الحياة بدون التكنولوجيا الأميركية.. ماذا سيحدث إذا أوقفت الخدمات الرقمية؟

صحيفة “فايننشال تايمز” تحذّر من حجم اعتماد أوروبا على التكنولوجيا والخدمات الرقمية الأميركية، بعدما كشفت العقوبات التي فرضتها واشنطن على قاضٍ في المحكمة الجنائية الدولية قدرة الولايات المتحدة على تعطيل خدمات أساسية خارج حدودها.

لم يكن القاضي في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، نيكولا غيّو، يتوقع حجم التأثير الذي ستتركه العقوبات الأميركية عليه، بعدما استهدفته واشنطن في آب/أغسطس 2025 على خلفية إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب مزعومة في غزة.

غيّو قال إن العقوبات لم تقتصر على الجانب القانوني، بل عطّلت تفاصيل الحياة اليومية، بعدما فُصل خلال أيام عن خدمات رقمية تعتمد على شركات أميركية.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه الحادثة أثارت قلقاً متزايداً داخل أوروبا بشأن قدرة الولايات المتحدة على استخدام ما يُعرف بـ”مفاتيح الإيقاف” لقطع الخدمات الرقمية وأنظمة الدفع الأميركية عن المستخدمين الأوروبيين، بما يحوّل الاعتماد التكنولوجي إلى أداة ضغط سياسي.

وبحسب التقرير، فإن فكرة لجوء واشنطن إلى هذا النوع من الضغط كانت تُعدّ مستبعدة لسنوات، لكنها باتت أكثر واقعية منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة وتصاعد توتر العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين.

وترى عواصم أوروبية أن اعتماد الاتحاد الأوروبي الكبير على الخدمات الرقمية الأميركية يمثّل نقطة ضعف استراتيجية، خصوصًا في ظل الفجوة الكبيرة بين فائض أوروبا التجاري في السلع وعجزها في قطاع الخدمات.

وفي هذا السياق، يعمل الاتحاد الأوروبي على تسريع البحث عن بدائل محلية في قطاعات التكنولوجيا والدفع الإلكتروني والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، في محاولة لتقليص الهيمنة الأميركية.

ورغم امتلاك أوروبا نقاط قوة في بعض القطاعات، مثل شركة ASML الهولندية المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية، وشركتي Nokia وEricsson في البنية التحتية للاتصالات، فإن التقرير يؤكد أن الترابط العميق في سلاسل التوريد يجعل فك الارتباط الكامل بين الجانبين بالغ الصعوبة والكلفة.

وفي القطاع المالي، تتجه أوروبا إلى تطوير بدائل لأنظمة الدفع الأميركية مثل Visa وMastercard، بالتوازي مع مشروع “اليورو الرقمي” الذي يعمل عليه البنك المركزي الأوروبي، إلا أن هذه المشاريع ما تزال في مراحلها الأولى.

كما تستعد المفوضية الأوروبية لإطلاق “حزمة السيادة التكنولوجية” بهدف دعم قطاعات السحابة والرقائق والذكاء الاصطناعي داخل الاتحاد الأوروبي، في إطار مساعٍ لتعزيز الاستقلال الرقمي الأوروبي.

وتلفت الصحيفة إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل فرض ضرائب على الشركات الرقمية الأميركية، فيما تدرس دول أخرى اتخاذ خطوات مماثلة، رغم المخاوف من ردّ أميركي محتمل وانعكاسات اقتصادية على المستهلكين الأوروبيين أنفسهم.

وفي المقابل، تبرز داخل الاتحاد الأوروبي دعوات لاستخدام أدوات أكثر تشدداً ضد شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، من بينها «أداة مكافحة الإكراه»، التي تتيح فرض قيود على واردات الخدمات، إلا أن الأوروبيين لا يزالون منقسمين بشأن اللجوء إليها.

الاعتماد الأوروبي على التكنولوجيا والخدمات الرقمية الأميركية بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، خصوصاً مع تسارع ثورة الذكاء الاصطناعي، التي يُتوقع أن تمنح الولايات المتحدة مزيدًا من النفوذ بفضل تفوقها في القدرة الحاسوبية والوصول إلى البيانات والمستخدمين.

وفي ختام التقرير، يقول غيّو: “تدرك مدى اعتمادك على هذه الأشياء، وكيف أن ما تظنه تحت سيطرتك ليس تحت سيطرتك فعلياً”.

المصدر: صحيفة “فايننشال تايمز”

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى