الحزب الشيوعي الصيني…. هندسة القوة واستكمال بناء الدولة

شاهر الشاهر – الميادين:
لقد أصبح الحزب “العقل السياسي للدولة”، فتأسست شرعية جديدة للحكم، لا تقوم على الانتخابات التعددية، بل على القدرة على تحقيق الاستقرار وبناء الدولة.
لم يكن الاحتفال بالذكرى المئة وخمسة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني حدثاً حزبياً ولا فعالية رسمية، بقدر ما كان تعبيراً شعبياً عن الاعتزاز بحزب استطاع نقل الصين من دولة فقيرة إلى منافس يسعى للتربع على قمة الهرم الدولي.
عند نشأة الحزب في العام 1921 كانت الصين تعاني من تفكك داخلي وحروب أهلية، فاستطاع أن يكون الموحد للبلاد والباني لنهضتها، لينتقل بالصين بعد عام 1949 من “فكر الثورة” إلى “بناء الدولة”، استناداً إلى نموذج صارم للحكم المركزي استطاع من خلاله توحيد الصين سياسياً وإدارياً.
النجاح في صياغة علاقة متوازنة بين الحزب والدولة، وصولاً إلى اندماج شبه كامل باتت فيه الدولة “منظومة هرمية” يقودها الحزب ويتحكم في جميع مفاصلها.
الحفاظ على الصين كبلد زراعي لا يتناقض مع انتقالها إلى “مصنع العالم”، شريطة تفكيك منظومتها الاقطاعية القديمة، وإعادة بناء هياكل الدولة استناداً إلى “الولاء المؤسسي” والكفاءة التنظيمية”.
لقد أصبح الحزب “العقل السياسي للدولة”، فتأسست شرعية جديدة للحكم، لا تقوم على الانتخابات التعددية، بل على القدرة على تحقيق الاستقرار وبناء الدولة.
“القدرة على الانجاز” باتت هي المصدر لشرعية النظام السياسي بدلاً من المنافسة السياسية التقليدية، فكرست الصين نموذجها الديمقراطي بعيداً عن “الديمقراطية الغربية”.
لقد استطاع الحزب نقل الصين من “إمبراطورية فاشلة” إلى “دولة قومية” ذات مشروع حضاري يسعى إلى الوصول “النهضة التاريخية” الهادفة إلى اعادة بناء الهوية الوطنية للصينيين جميعاً.
“نهاية عصر الإذلال” لم يكن شعاراً، بقدر ما أصبح جزءاً من الوعي السياسي للدولة، يشكل استذكاره حافزاً على العمل ورفضاً لمنطق العبودية التي سعت “الديمقراطيات الغربية” لفرضها على الشعوب المستضعفة.
صعود الصين لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة لتداخل: الدولة، الحزب، الاقتصاد، والجيش في منظومة عمل واحدة متناغمة.
لقد استخدمت الصين دبلوماسية هادئة رصينة مكنتها من شق طريقها نحو القمة، متجاوزة الصعوبات، متجنبة الصدامات الهامشية والمطبات التي وضعت في طريقها، هذه الدبلوماسية المتفردة كانت دبلوماسية صينية خالصة، لها خصوصيتها وصفاتها التي تميزها عن سواها.
التحول الاقتصادي: من الانغلاق إلى القوة الإنتاجية العالمية
نجح الحزب الشيوعي الصيني في كسب ثقة شعبه بالأفعال والإنجازات، لا بالأقوال والشعارات، فكانت لغة الأرقام حاضرة في كل خطوة يخطوها. تلك اللغة عززت مكانة الصين ورسختها ساعيةً للتربع على عرش العالم.
التجربة الاقتصادية الصينية الحديثة استندت على “التحول الاقتصادي” و”التحديث الشامل”، فاستطاعت نقل الصين من اقتصاد زراعي مغلق إلى ثاني أكبر الاقتصادات العالمية.
نجح الرئيس دينغ شياو بينغ في صياغة إصلاحات اقتصادية مزجت اقتصاد السوق بـ “توجهات اشتراكية منضبطة”، حالت دون تفكيك سلطة الدولة. وهو ما سمح بظهور “نظام هجين” دمج الرأسمالية بالسيطرة السياسية المركزية.
أنشات الصين “مناطق اقتصادية خاصة” شجعت الاستثمارات الأجنبية، دون أن يؤثر ذلك على “التحكم الاستراتيجي للدولة” بجميع مفاصل الاقتصاد، وبالتالي استطاعت الدولة أن تجمع بين “الانفتاح” و”التحكم بالاقتصاد”.
أجادت الصين لعبة “الاستثمار في الهوامش”والابتعاد عن منافسة القوى الكبرى، وتحولت البلاد إلى “مصنع العالم”، وهو ما جعلها جزءاً من سلاسل الإنتاج العالمية. حرصت الصين على أن لا يتحول هذا الاندماج بالاقتصاد العالمي إلى تبعية، وعملت على أن يكون أداة لبناء قوة إنتاجية داخلية ضخمة فاقت جميع التوقعات.
وضع الحزب الشيوعي الصيني هدفاً استراتيجياً طويل الأمد يتمثل في القضاء على الفقر، وسعى لأن يحقق ذلك في العام 2021 تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس الحزب.
مئات الملايين تم انتشالهم من الفقر المدقع وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فبات هذا الانجاز جزءاً رئيساً من خطاب الشرعية للنظام الحاكم في الصين.
نجحت الصين في بناء أكبر طبقة وسطى في العالم، وباعتبار أن هذه الطبقة هي الحامل الأساسي للتنمية، فقد تغيرت البنية الاجتماعية للدولة، وبات الاستهلاك الداخلي والتوسع الحضري محركين أساسيين للنمو.
لم تقف الصين عند هذا الحد، بل إنتقلت من التركيز على الصناعات الخفيفة إلى الاستثمار في التكنولوجيا فائقة الجودة، فبنت الجامعات وأنفقت على البحث العلمي والابتكار، فتحولت إلى قوة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، والبنية الرقمية وتكنولوجيا الاتصالات.
“تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية” سراً من أسرار نجاح الصين، حيث استطاعت بناء منظومة استقلال تقني تدريجي، وصولاً إلى ربط الاقتصاد مباشرة بالأمن القومي. فأصبحت التكنولوجيا جزءاً من السيادة الوطنية. وبالتالي، لم تعد الصين مجرد قوة صناعية، بل قوة معرفية وتكنولوجية تسعى إلى إعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي.
القوة العالمية والجيش والنموذج السياسي
وضع الحزب الشيوعي الصيني هدف بناء الدولة نصب عينيه، فلم يكن له منذ ولادته مصالح خاصة. لذا، رفع شعار خدمة الأمة الصينية، وحاز ثقة الشعب الذي آمن به، ليس من منطلق أيديولوجي فقط، بل من زاوية النجاح والقدرة على بناء الدولة، وترجمة الأقوال إلى أفعال.
مع بداية القرن الحادي والعشرين، خرجت الصين من العزلة وسعت إلى الانخراط الفاعل في النظام العالمي، واستطاع الحزب الشيوعي الصيني نقل البلاد من دولة نامية إلى قوة فاعلة ومؤثرة في النظام الدولي.واستخدمت الاقتصاد والدبلوماسية كأدوات لتوسيع النفوذ دون الدخول في صدام مباشر.
تجسيداً لهذا التوجه، طرحت الصين أكبر مشروع اقتصادي في التاريخ (مبادرة الحزام والطريق)، التي ربطت بين الصين ودول آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكات اقتصادية ضخمة، كان لبكين فيها موقع الصدارة.
آمنت الصين بتغير مفهوم القوة، وقفزت إلى الاهتمام بقوتها الذكية باعتبارها سلاح القرن الحادي والعشرين، بعد أن كانت قوة الدول تقاس بما تمتلكه من جيوش واقتصاد…إلخ (القوة الصلبة).
وضعت الصين هدفاً استراتيجياً آخر، يتمثل في استكمال بناء جيشها ليكون قادراً على خوض الحروب الخارجية، على ان يتحقق ذلك في العام 2027، وهي الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني.
وهو ما يفسر تركيز الولايات المتحدة على العام 2027، وادعائها أن الصين تسعى لاستعادة تايوان في هذا العام.
تتعامل الصين مع قضية تايوان باعتبارها قضية الأمة الصينية، ورمزاً للسيادة والوحدة الوطنية، وليس مجرد ملف سياسي خارجي، واستعادة تايوان أمر لا مناص عنه، لكن بكين تسعى إلى أن لا يكون ذلك باستخدام القوة.
تطهير المؤسسة العسكرية من الفساد، أمر سعت الصين إلى تطبيقه، وهو ما يؤكد الأولوية التي تحظى بها هذه المؤسسة في عهد الرئيس شي.
عملت الصين على جعل الجيش جزءاً عضوياً من منظومة الحزب، وليس مؤسسة مستقلة عنه، وهو ما عزز مفهوم “الأمن الشامل” للدولة.
ما حققته الصين من نجاحات جعل أعداءها يطلقون سهامهم نحوها، في محاولة يائسة لزعزعة الاستقرار فيها والمساس بأمنها القومي، أو لتشويه صورتها في المجتمع الدولي، معتمدين على ماكيناتهم الإعلامية الضخمة، والتي أتقنت تشويه الحقائق وفبركة الأخبار.
ولعل أهم الأشياء التي تم الحديث عنها هو الديمقراطية الصينية، ومطالبة الصين باستنساخ التجربة الغربية في الديمقراطية، متناسين، عن سوء نية، أن لكل تجربة خصوصيتها، كما أن لكل حضارة تاريخها وقيمها، فأرادوا للصين أن تبدأ من حيث انتهوا، كأن الديمقراطية سلعة يمكن استيرادها بغضّ النظر عن تاريخ الشعوب وتجاربها.
“الديمقراطية ذات الخصائص الصينية” نموذج طورته الصين، يسعى إلى التركيز على التشاور والاستقرار والنتائج، بدلاً من التنافس الحزبي المفتوح.
يرتكز هذا النموذج على فكرة أن الشرعية تُقاس بالانجاز على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط بالانتخابات. وهو ما يميز النموذج الصيني للديمقراطية الذي تقدمه بكين كبديل عن النظام الليبرالي الغربي.
لقد استطاع الحزب الشيوعي أن يحقق للصين ما لم تستطع الصين أن تحققه خلال آلاف الأعوام من تاريخها، وما عجزت دول العالم عن تحقيقه أيضاً، فأصبحت الصين دولة كبرى، وهي في طريقها لتكون دولة عظمى. فالصين اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتحقق قفزات علمية وتكنولوجية تجعلها محط إعجاب أصدقائها، ومصدر إزعاج وقلق لأعدائها.




