رأي

الحرب والشّرخ الاستراتيجي الأمريكي – الأوروبي

د. إدريس لكريني – الخليج:

أصبحت تداعيات الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على العالم، بعدما أصرت طهران على استهداف جيرانها وتهديد أمن الملاحة الدولية، كمدخل لخلط الأوراق، حيث بدأت الحرب تأخذ منحنيات أكثر خطورة.
وتأتي الدول الأوروبية على رأس قائمة الدول الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة بفعل إغلاق مضيق هرمز، بينما الولايات المتحدة فتتوفر على احتياطات هائلة في هذا الخصوص.
وسط كل هذه التطورات المتسارعة، وأمام توجه الولايات المتحدة لإشراك عدد من حلفائها التقليديين في هذه المعركة، بدواعي الدفاع عن مصالح مشتركة، وبخاصة فيما يتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز، تباينت ردود الفعل الأوروبية إزاء هذه الدعوة، بين من عبر عن استعداده لتأمين الملاحة الدولية عبر المضيق هرمز سلمياً من دون إقحام حلف شمال الأطلسي في الموضوع، وبين من عبّر عن تحفظه في هذا الخصوص مثل إسبانيا وفرنسا وكندا باعتبار الحرب لا تمثل مصالحها، علاوة على التخوف من «الانعكاسات الخطِرة» للحرب.
وعموماً، يبدو أن بعض الدول الأوروبية استفادت بشكل كبير من تجربة الحرب الروسية في أوكرانيا، بعدما وجدت نفسها الضحية الأولى لعقوبات فرضتها على موسكو بإيعاز من واشنطن. فقد وجدت نفسها – كما هي حال عدد من دول العالم – متأثرة بشكل سلبي، وبخاصة على المستوى الاقتصادي، بسبب هذه الحرب التي تجري من دون أن يؤخذ رأيها مسبقاً حول دوافع وأهداف هذه الحرب، واعتباراً لتأثيراتها في أسعار سوق الطاقة (الغاز والنفط).
ولذلك امتنعت الدول الأوروبية عن المشاركة العسكرية المباشرة في هذه المواجهة التي اتخذت أبعاداً غير محسوبة. وهو ما اعتبره ترامب جحوداً وتنكراً لأفضال الولايات المتحدة على أوروبا بحمايتها من الفاشية والنازية خلال الحرب العالمية الثانية، ومن التمدد الشيوعي في فترة الحرب الباردة، مشيراً إلى أن موقفها الرافض ستكون له آثار كبيرة على مستقبل حلف شمال الأطلسي وعلى الأمن الأوروبي بشكل عام.
وأمام هذه التطورات وما يرافقها من تباين في المواقف، يطرح السؤال حول مستقبل العلاقات الأمريكية – الأوروبية، وما إذا كانت هذه الأخيرة ستستقل بمواقفها وتوجهاتها الاستراتيجية، وتبني علاقة شراكة متوازنة مع واشنطن، أم ستخضع مرة أخرى للتبعية الأمريكية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
إن الهوة الاستراتيجية مرشحة لكي تزداد اتساعاً بين عدد من البلدان الأوروبية من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى. فالحرب الراهنة ستؤثر بشكل كبير في مسار مثيلتها في أوكرانيا، وخصوصاً مع انشغال الولايات المتحدة بتبعات المواجهة مع إيران، واستفادة روسيا من نقص الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا لتعزز ضغطها على هذه الأخيرة، علاوة على استفادتها الكبيرة من ارتفاع أسعار النفط الناجم عن إغلاق مضيق هرمز. وإضافة إلى قيام الولايات المتحدة على تعليق العقوبات المفروضة على النفط الروسي لفترة تمتد لشهر كامل، كمحاولة منها لسد النقص القائم على مستوى الإمدادات النفطية تحت ضغط التطورات العسكرية الأخيرة.
ففي الوقت الذي بدأ يقتنع فيه الكثير من الدول الأوروبية الكبرى كألمانيا وفرنسا بضرورة إرساء استراتيجية أمنية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة في ظل هذه الظروف التي تعكس تقلباً في المواقف الأمريكية، بما قد يؤثر في أمنها ومصالحها بفعل التمدد الروسي، تزايدت المخاوف الأمنية في أوساط دول أوروبا الشرقية (سابقاً) بفعل الانشغال الأمريكي بهذه الحرب، ما قد يعزز الطموحات الروسية لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي.
وتحيل هذه التطورات مجتمعة إلى إمكانية تراجع أهمية حلف شمال الأطلسي لصالح بناء تحالف يعكس الدفاع عن الأمن الأوروبي خارج المظلة الأمريكية، ويدعم تعزيز الإنفاق العسكري والسباق نحو التسلح في أوروبا، كسبيل لإرساء قدر من التوازن والردع في مواجهة روسيا.
لقد شكل الكثير من الأزمات والحروب الدولية محطات لإعادة رسم الخريطة الدولية، وإعادة صياغة التحالفات، وإحداث مؤسسات دولية جديدة، كما مثلت مناسبات لإرساء نظام دولي جديد.
إن انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران بتداعياتها الإقليمية والدولية، وتصاعد أزمة الثقة بين أوروبا وأمريكا، سيفرز حتماً تحالفات وتموقعات جديدة تعمق الشرخ الاستراتيجي- الأمريكي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى