رأي

“الجلستان” تحددان بوصلة الصين في عالم منقسم

د. أحمد قنديل – بوابة الأهرام:

أحيانًا تكشف التفاصيل الصغيرة في السياسة الدولية عن تحولات كبيرة في موازين القوة. ومن بين هذه التفاصيل ما جرى في بكين في الثاني عشر من مارس 2026، حين أُسدلت الستارة على ما يعرف في الصين بـ”الجلستين” السنويتين.

في الظاهر، يبدو هذا الحدث إجراءً مؤسسيًا معتادًا في نظام سياسي شديد التنظيم. فهو يمثل اجتماعًا لأهم الهيئات التشريعية والاستشارية لإقرار خطط الدولة الاقتصادية. لكن في الحقيقة، وكما تعلمنا من قراءة تجارب الدول الكبرى، فإن مثل هذه المناسبات كثيرًًا ما تكون منبرًا لتوجيه الرسائل السياسية المهمة إلى العالم بقدر ما هي ترتيبات داخلية.

فالصين اليوم لا تعيش لحظة عادية في التاريخ الدولي. فالعالم كله يمر بمرحلة يمكن وصفها، دون مبالغة، بأنها “زمن الأزمات المتشابكة”.

الشرق الأوسط يقف مرة أخرى على حافة انفجار أوسع مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وأسواق الطاقة تتقلب مع كل خبر عسكري أو سياسي. وسلاسل الإمداد العالمية التي بُنيت خلال عقود العولمة تحولت فجأة إلى أدوات ضغط على بكين في صراعاتها مع واشنطن.

وسط هذا المشهد، بدت “الجلستان” الصينية وكأنها محاولة هادئة لرسم بوصلة مختلفة؛ ففي بكين، ثمة اقتناع متزايد بأن العالم دخل مرحلة اضطراب طويل، وأن ما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره أزمات عابرة أصبح الآن جزءًا دائمًا من المشهد الدولي. ومن هنا تحاول القيادة الصينية تقديم فكرة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في مضمونها مفادها هو أنه إذا كان العالم يعيش حالة عدم يقين، فإن الاستقرار ذاته يمكن أن يصبح “موردًا اصيلا” للقوة.

ولهذا لا تتحدث بكين كثيرًا عن “القيادة العالمية” بالمعنى التقليدي، بل عن شيء آخر أقرب إلى ما يمكن تسميته “الاستقرار النشط”. أي القدرة على الاستمرار في التخطيط طويل المدى بينما تتغير الحكومات والسياسات في أماكن أخرى من العالم بوتيرة متسارعة.

غير أن الاستقرار، في التفكير الإستراتيجي الصيني، يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس في الخارج. فالدولة التي تريد أن تكون قوة عالمية لا تستطيع أن تسمح بانقسامات داخلية تهدد تماسكها. ولهذا جاء التأكيد المتكرر خلال اجتماعات هذا العام على أهمية الوحدة السياسية والانضباط المؤسسي باعتبارهما الأساس الذي تُبنى عليه القوة الدولية.

لكن الحدث الأهم في “الجلستين” لم يكن في الخطاب السياسي وحده، بل في الاقتصاد أيضًا. فقد أعلنت بكين عمليًا دخولها مرحلة جديدة مع إطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للفترة من 2026 إلى 2030. وهذه الخطة ليست مجرد برنامج اقتصادي تقليدي، بل تعبير عن تحول عميق في طريقة نظر الصين إلى مستقبلها.

طوال عقود، عُرفت الصين بأنها “مصنع العالم”. ملايين العمال، ومدن صناعية عملاقة، وإنتاج يغزو الأسواق الدولية. لكن القيادة الصينية تدرك الآن أن هذا النموذج بلغ حدوده القصوى. فالعالم يتغير، والتكنولوجيا أصبحت ميدان المنافسة الحقيقية بين القوى الكبرى.
ومن هنا ظهر مفهوم جديد في الخطاب الاقتصادي الصيني، وهو “السيادة التكنولوجية”.

المقصود بذلك ليس فقط تطوير التكنولوجيا، بل امتلاك القدرة على إنتاجها والتحكم في مفاتيحها الأساسية. ولذلك تتجه الاستثمارات الصينية الآن بكثافة إلى مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة النظيفة. وكأن بكين تبني لنفسها ما يمكن وصفه بـ “درع تكنولوجي” يحمي اقتصادها في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا سلاحًا سياسيًا بقدر ما هي أداة للتنمية.

ومع ذلك، فإن الصين لا تنوي الانسحاب من الاقتصاد العالمي. بل العكس هو الصحيح. فهي تدرك أن قوتها نشأت أساسًًا من اندماجها في هذا الاقتصاد. لكن ما تحاول بكين فعله هو تقليل نقاط الضعف في هذا الاندماج، بحيث لا تصبح عرضة لضغوط سياسية أو اقتصادية في لحظات التوتر، سواء الراهنة أو المتوقعة في المستقبل.

هذا التفكير الإستراتيجي ينعكس أيضًا في السياسة الخارجية الصينية. فبكين تميل إلى استخدام أدوات التنمية والتجارة أكثر من استخدامها لأدوات القوة العسكرية. ومن هنا جاء التركيز المستمر على مبادرة “الحزام والطريق” التي تحاول الصين من خلالها بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المشتركة عبر آسيا وإفريقيا وأوروبا. والفكرة في جوهرها بسيطة، وهي أن الدول التي تربطها مصالح اقتصادية عميقة تقل احتمالات صراعها.

لكن السياسة الدولية نادرًا ما تسير وفق المعادلات البسيطة. فالشرق الأوسط، على سبيل المثال، يظل بالنسبة للصين منطقة بالغة الحساسية. فهو المصدر الرئيسي للطاقة التي تحتاجها مصانعها ومدنها. وفي الوقت نفسه، فإن الأمن في هذه المنطقة لا يزال خاضعًا إلى حد كبير لترتيبات تقودها القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي ترى في الصين “منافسها”، وربما أيضا “عدوها”، الأول.

ومع تصاعد التوترات في الخليج العربي نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، قد تجد الصين نفسها مضطرة إلى دور أكبر مما اعتادت عليه. وهو بالمناسبة ليس بالضرورة دورًا عسكريًا مباشرًا، لكن على الأقل حضورًا دبلوماسيًا واقتصاديًا أكثر نشاطًا لحماية مصالحها الحيوية. فهل تنجح الصين في أن تبقى “قوة تنموية” في عالم يزداد “عسكرية”؟

الواضح من “الجلستين” هذا العام هو برزو مرحلة جديدة في التفكير الإستراتيجي الصيني؛ فبكين لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع النظام الدولي القائم، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تبقى مجرد طرف تابع فيه. وهكذا، بينما كانت الأنظار في مارس 2026 تتجه إلى الحرب في منطقة الشرق الأوسط وأسواق الطاقة المتقلبة، كانت بكين ترسم، بهدوء شديد، خريطة طريق لخمسة أعوام مقبلة، وربما لمرحلة أطول في تاريخ النظام الدولي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى