التوافق الثلاثي في ليبيا… بداية وحدة حقيقية أم تهدئة مؤقتة؟

صلاح الهوني – العرب:
السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن التوفيق بين هذه الرغبة المعلنة في إنجاز الانتخابات، واستمرار الانقسام المؤسسي الأفقي بين الشرق والغرب؟
شهدت ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية تطورا لافتا يعكس هشاشة التوازنات القائمة وسرعة تحولاتها. ففي مساء الأربعاء 11 آذار – مارس 2026، اجتمع في العاصمة طرابلس كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ليصدر المجتمعون بعد ساعات من المشاورات بياناً ثلاثياً حمل دلالات سياسية عميقة: إقرار التعديل الوزاري الذي أجراه الدبيبة، والمصادقة عليه رسمياً من قبل المجلس الرئاسي بعد أيام قليلة على رفض قاطع وتحذيرات من تحول الحكومة إلى “حكومة تصريف أعمال”. هذا التحول الدراماتيكي في الموقف يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: كيف تحول الخلاف إلى توافق بهذه السرعة؟ وهل ما جرى يمثل خطوة حقيقية نحو توحيد المؤسسة السياسية، أم أنه مجرد تهدئة مؤقتة تعيد إنتاج الانقسام بشكل آخر، هذه المرة تحت غطاء التوافق الرسمي؟
منذ الإعلان الأول عن التعديل الوزاري قبل أيام، كانت الصورة تبدو وكأنها مقدمة لأزمة دستورية وسياسية حادة. فقد أقدم الدبيبة على تغييرات شملت في البداية حقيبتي الثقافة والتربية والتعليم، معلناً نيته مواصلة التحرك لملء الشواغر التي تعاني منها حكومته منذ سنوات. بيد أن هذا التحرك قوبل برفض قاطع من المجلس الرئاسي، حيث وصف المنفي الخطوة في خطاب رسمي بأنها “مخالفة صريحة” للاتفاق السياسي الليبي وللإعلان الدستوري، محذراً من أن الحكومة قد تفقد شرعيتها وتتحول قانونياً إلى حكومة تصريف أعمال إذا وصلت نسبة الشغور في التشكيلة الوزارية إلى الثلث أو النصف.
كما طالب موسى الكوني، النائب بالمجلس الرئاسي، المنفي بوقف تنفيذ القرارات الصادرة باسم المجلس التي لم تستوف “آلية القرار الجماعي”، معتبراً أن الانفراد بالقرارات “يخالف الاتفاق السياسي وقرار تنظيم عمل المجلس”. في المقابل، تمسكت حكومة الدبيبة بصلاحياتها التنفيذية، معتبرة أن التعديل يستهدف سد الشواغر الناتجة عن استقالات وإحالات على التحقيق، وأنها بصدد تكليف كفاءات قادرة على تحسين الأداء والارتقاء بالعمل المؤسسي. غير أن المشهد لم يقتصر على الخلاف السياسي، بل تجاوزه إلى مواجهات أمنية مباشرة، حيث شهد مقر وزارة الثقافة اشتباكات بين الأجهزة الأمنية بعد رفض الوزيرة المقالة تسليم منصبها، في مؤشر على هشاشة الوضع وارتباط القرارات السياسية بتوازنات القوى الميدانية.
غير أن التطور الأبرز والأكثر دلالة جاء في الحادي عشر من آذار – مارس، حيث تحولت الأزمة إلى توافق في غضون ساعات. ففي الاجتماع الثلاثي الذي عقد بطرابلس، قدم الدبيبة عرضا للإجراءات التي باشرها لسد الشواغر في المواقع الحكومية، مؤكدا حرصه على استمرارية عمل المؤسسات العامة وانتظام أداء الجهاز التنفيذي بما يكفل تقديم الخدمات للمواطنين. وأشار البيان الثلاثي إلى “التواصل والتشاور الذي أجراه رئيس الوزراء معهما خلال الفترة الماضية بشأن هذه الإجراءات، وذلك في إطار الحرص على سلامتها واتساقها مع الأطر القانونية والسياسية الحاكمة للمرحلة، لاسيما الاتفاق السياسي”، مشيدين “بتفاعله الإيجابي مع الملاحظات المطروحة ومراعاته للاعتبارات الوطنية والمؤسسية ذات الصلة”. وأقر رئيس المجلس الرئاسي اعتماد الإجراءات التي اتخذها رئيس الوزراء، فيما أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة دعمه لهذه الخطوة. ويوم الخميس 12 مارس، عقدت حكومة الوحدة الوطنية اجتماعها الأول لعام 2026 بعد استكمال التعديل الوزاري، الذي شمل 18 حقيبة وزارية، من أبرزها تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس الوزراء عن المنطقة الجنوبية، ومحمد الغوج وزيراً للصحة، وسهيل بوشيحة وزيراً للاقتصاد، وعماد الطرابلسي وزيراً للداخلية، وراشد بوغفة وزيراً للمالية، فضلاً عن استحداث منصب وزير دولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
التعديل الوزاري الموسع يعكس إعادة توزيع النفوذ داخل طرابلس مع التركيز على الحقائب الاقتصادية والأمنية في محاولة لتثبيت التوازنات الجديدة وتجنب الانقسام العلني
هذا التحول المفاجئ من الرفض إلى المصادقة يطرح أكثر من قراءة. فالقراءة الأولى تشير إلى أن الضغوط الدولية، ممثلة ببيان مجلس الأمن الصادر في الخامس من مارس 2026، قد لعبت دوراً حاسماً في دفع الأطراف إلى ضبط إيقاع الخلاف ومنع انفلاته. فمجلس الأمن جدد دعمه الكامل للمبعوثة الأممية حنّا تيتيه ولخارطة الطريق التي أعلنتها في أغسطس 2025، محذراً بلهجة شديدة من “أي خطوات أحادية من شأنها تعميق الانقسامات المؤسسية، أو تقويض فرص المصالحة الوطنية، أو الإسهام في تدهور الوضعين المالي والاقتصادي في البلاد”. كما دعا البيان إلى تنفيذ برنامج التنمية الموحد، وأكد على أهمية إقرار ميزانية موحدة لتفادي المزيد من التدهور الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التوافق الثلاثي باعتباره استجابة لتلك الضغوط، وتجنيب البلاد أزمة دستورية كانت ستعمق الشرخ المؤسسي وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في لحظة دقيقة من تاريخ ليبيا.
القراءة الثانية، التي لا تقل أهمية، ترى أن ما جرى هو إعادة ترتيب للأوراق داخل المشهد السياسي في غرب البلاد، حيث أدرك الجميع أن استمرار الخلاف العلني لن يخدم سوى الأطراف الأخرى في الشرق، وقد يفتح الباب أمام مبادرات دولية تتجاوز التوافقات الداخلية. فتعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس الوزراء عن المنطقة الجنوبية يحمل دلالات واضحة تتعلق بتعزيز النفوذ في منطقة تعتبر بوابة للأمن وموارد الطاقة، كما أن توزيع الحقائب الاقتصادية والخدمية الكبرى يعكس حرصاً على تحقيق توازنات جديدة داخل الكتلة السياسية الحاكمة في طرابلس، خاصة مع استمرار غياب الرؤية حول الحقائب السيادية (الدفاع والخارجية) التي لا يزال يشغلها الدبيبة بالإنابة.
غير أن التساؤلات الأعمق تبقى مطروحة حول انعكاسات هذا التوافق على المسار السياسي الشامل. فالمجتمعون شددوا في بيانهم على “أهمية استمرار التنسيق بين مؤسسات الدولة وتعزيز التعاون بينها بما يدعم الاستقرار المؤسسي ويهيئ الظروف للوصول إلى توافق وطني يمكن من إنجاز الانتخابات وفق قواعد متفق عليها وقابلة للتنفيذ”.
لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن التوفيق بين هذه الرغبة المعلنة في إنجاز الانتخابات، واستمرار الانقسام المؤسسي الأفقي بين الشرق والغرب؟ فالتوافق الثلاثي، على أهميته، يظل محصوراً في نطاق العاصمة طرابلس والأطراف المكونة للحكومة المنبثقة عن المجلس الأعلى للدولة، متجاهلاً الأطراف الأخرى في الشرق والجنوب التي تمثلها الحكومة الليبية المؤقتة المنبثقة عن مجلس النواب. وبالتالي، فإن التوافق الجديد، بدلاً من أن يكون خطوة نحو توحيد المؤسسات المنقسمة، قد يتحول إلى أداة لتعزيز الانقسام من خلال ترسيخ شرعية طرف على حساب آخر.
وتبقى الانعكاسات الاقتصادية لهذه التطورات على قدر كبير من الخطورة، خاصة في ظل استمرار غياب الميزانية الموحدة وبرنامج التنمية المتكامل. فمنذ عام 2014، أنتج الانقسام السياسي اقتصاداً مزدوجاً، وإنفاقاً بلا مساءلة، وقرارات مالية منفصلة عن الواقع الإنتاجي، مما حول الدولة إلى ممول استهلاك لا محرك اقتصاد.
وبلغ الإنفاق على المرتبات والأجور 73 مليار دينار في عام 2025 لأكثر من 2.5 مليون موظف، مقابل 8 مليارات دينار في عام 2010 لنحو مليون موظف، في مؤشر صارخ على تضخم الجهاز الحكومي دون مردود تنموي حقيقي. وفي هذا السياق، يثير التعديل الوزاري الموسع مخاوف مشروعة من أن يكون غطاءً لتعزيز نفوذ جهات معينة أو تمرير صفقات وعقود في قطاعات حيوية كالنفط والطاقة خارج الأطر القانونية والرقابية.
الضغوط الدولية، خاصة بيان مجلس الأمن، لعبت دورا محوريا في دفع الأطراف الليبية نحو التوافق لتفادي أزمة دستورية وتعميق الشرخ المؤسسي بين الشرق والغرب
والأخطر من ذلك، أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً بسبب التوتر في منطقة الخليج يدر إيرادات إضافية ضخمة على ليبيا، تقدر بمليارات الدولارات، لكن الخبراء يحذرون من أن هذه العوائد قد تذهب هباءً في مصروفات استهلاكية غير منتجة إذا لم ترافقها إصلاحات حقيقية في إدارة المال العام، مما يجعل الفرصة تتحول إلى نقمة جديدة. وفي هذا الإطار، تكتسب الدعوات الأممية المتكررة إلى “إقرار ميزانية موحدة لتفادي مزيد من التدهور الاقتصادي” أهمية خاصة.
إن التعديل الوزاري الأخير في ليبيا، وما صاحبه من تحول سريع من الصراع إلى التوافق، ليس مجرد حادثة عابرة في مسار طويل من الأزمات، بل هو اختبار حقيقي لإرادة الأطراف الليبية في الالتزام بالمسار السياسي الجامع واحترام المرجعيات الدستورية والتوافقية. فبقدر ما تمثله المصادقة الثلاثية من خطوة إيجابية نحو تجاوز الخلافات الآنية، فإنها تعكس في العمق حالة السيولة السياسية وسرعة تبدل المواقف وفق حسابات اللحظة، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول مدى توفر الإرادة السياسية الصادقة لتجاوز الخلافات الهيكلية وتغليب المصلحة الوطنية على المدى البعيد.
ولعل أخطر ما في المشهد الليبي اليوم هو استمرار غياب الرؤية الموحدة حول كيفية إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، واستمرار نهب المال العام دون رادع، حتى إن المبعوث الأممي السابق غسان سلامة وصف ما يحدث في ليبيا بأنه ليس فسادا بل نهب ممنهج لثروات البلاد.
يبقى السؤال الأكبر مفتوحا: هل يمثل هذا التوافق الثلاثي خطوة فعلية نحو تعزيز وحدة المؤسسة السياسية، أم أنه مجرد تهدئة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع؟ الجواب يتوقف على مدى قدرة الأطراف الليبية على ترجمة هذه الروح التوافقية إلى آليات عمل مؤسسية دائمة، تتجاوز منطق المحاصصة وإدارة الأزمات إلى بناء شراكات استراتيجية قادرة على إنهاء المراحل الانتقالية وإنجاز الاستحقاقات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الانتخابات.
وما لم تترافق هذه التوافقات مع رؤية شاملة توحد المؤسسات المنقسمة، وتضع الاقتصاد الليبي على مسار إصلاحي حقيقي، وتنتشل المال العام من دائرة النهب والفساد، فإن ما جرى في الحادي عشر من مارس سيبقى مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من الأزمات المعاد إنتاجها، يدفع ثمنها المواطن الليبي الذي ما زال ينتظر دولة حقيقية تليق بتضحياته وتطلعاته المشروعة في العيش بكرامة وأمان تحت سقف قانون واحد ومؤسسات موحدة.




