رأي

البريكس وميلاد نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب

كتب بوستة مسعود, في الجزيرة:

البريكس والنظام الاقتصادي العالمي الجديد: مخاض ولادة عالم متعدد الأقطاب
يشهد العالم اليوم تحولا عميقا، هو ليس مجرد تغيير في موازين القوى الاقتصادية، بل إعادة صياغة شاملة للعقد الدولي والاجتماعي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فتجمع دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) لم يعد مجرد تكتل ناشئ يسعى لموطئ قدم، بل أصبح قوة مؤثرة تعيد رسم مسارات التجارة والاستثمار والابتكار التكنولوجي على الصعيد العالمي.

وفقا لتقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025، تجاوزت هذه الدول “نقطة التحول” التاريخية، حيث أصبحت تمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقا لتعادل القوة الشرائية، متجاوزة بذلك حصة مجموعة السبع لأول مرة في التاريخ الحديث.

هذه المعطيات تعكس قدرة دول البريكس على التأثير لا في الاقتصاد فقط، بل أيضا في الإستراتيجية الدولية والقدرة على إعادة تشكيل النظام المالي العالمي.

تعد دول البريكس اليوم أكبر مستهلك وأكبر منتج للطاقة عالميا، ومع انضمام قوى طاقة كبرى للمجموعة، أصبح أمن الطاقة العالمي يرسم في بكين ونيودلهي وموسكو بدلا من بروكسل وواشنطن

التفوق الرقمي والذكاء الاصطناعي: السلاح الجديد للبريكس
لم يعد ثقل البريكس الاقتصادي يعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو العمالة الرخيصة، بل انتقل إلى قيادة الثورة التكنولوجية الرابعة؛ فالصين تتصدر العالم في براءات اختراع الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيلين الخامس والسادس، بينما أصبحت الهند مركزا عالميا للبرمجيات والخدمات التقنية، مع مساهمة القطاع الرقمي بما يقارب 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في هذا المجال.

هذا التطور يمنح دول البريكس استقلالية إستراتيجية من خلال تطوير أنظمة تشغيل بديلة، والحوسبة الكمية، والسيطرة على سلاسل توريد أشباه الموصلات والمعادن النادرة، حيث تهيمن الصين على أكثر من 80% منها.

كما ساهم التحول الرقمي في رفع معدلات الشمول المالي في الهند، مقدما نموذجا يحتذى به لدول الجنوب العالمي الساعية للنمو بعيدا عن الوصفات التقليدية للبنك الدولي.

المؤسسات المالية البديلة وهندسة الاستقلال النقدي
الركيزة الثانية لهذا التحول هي كسر احتكار الدولار للنظام المالي العالمي؛ فمن خلال “البنك الجديد للتنمية” (NDB)، بدأت دول البريكس في تمويل مشاريع ضخمة للبنية التحتية والطاقة المستدامة بمليارات الدولارات، بعيدا عن الشروط السياسية المصاحبة عادة لقروض صندوق النقد الدولي.


تشير البيانات إلى تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية، وفي المدفوعات الدولية، لصالح العملات المحلية. في 2025، وصلت المعاملات التجارية بين الصين وروسيا باليوان والروبل إلى مستويات قياسية، وبدأت الهند في تسوية صفقات النفط بالروبية.

هذه الخطوة تعكس قدرة دول البريكس على حماية اقتصاداتها من تقلبات السياسة النقدية الأميركية، ومن تأثير العقوبات الاقتصادية، مما يضعف القدرة التقليدية للغرب على التحكم في مسار الاقتصاد العالمي.

جيوسياسية الطاقة والتحول نحو الأخضر
تعد دول البريكس اليوم أكبر مستهلك وأكبر منتج للطاقة عالميا، ومع انضمام قوى طاقة كبرى للمجموعة، أصبح أمن الطاقة العالمي يرسم في بكين ونيودلهي وموسكو بدلا من بروكسل وواشنطن.. روسيا، التي تعتمد ميزانيتها بنسبة تزيد عن 60% على عائدات النفط والغاز، وجدت في الأسواق الآسيوية بديلا إستراتيجيا للسوق الأوروبي.

في الوقت نفسه، تبرز دول البريكس في قيادة “التحول الأخضر”؛ فالصين هي أكبر مستثمر عالمي في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية، ما يمنح المجموعة قدرة فائقة على التحكم في تكاليف الإنتاج العالمي، وتوجيه سياسات المناخ بما يخدم مصالح الدول النامية.

بناء “نظام حكم عالمي” جديد يحتاج إلى أكثر من بنوك وعملات؛ فهو يتطلب رؤية ثقافية وسياسية قادرة على تقديم بديل مقنع للنموذج الليبرالي الغربي، وهو أمر لا يزال قيد التبلور داخل المجموعة

العالم العربي في قلب التحولات الإستراتيجية
بالنسبة للعالم العربي، وخاصة دول الخليج وشمال أفريقيا، يمثل صعود البريكس فرصة تاريخية وتحديا معقدا في الوقت ذاته؛ فالصين هي الشريك التجاري الأول لمعظم الدول العربية، والطلب الهندي على الطاقة في تصاعد مستمر، والاستثمارات المباشرة المتوقعة من دول البريكس قد تصل إلى 50 مليار دولار سنويا، مع تركيز على الموانئ، والمناطق الحرة، والمدن الذكية.

مع ذلك، يتطلب هذا التحول الاقتصادي موازنة دقيقة؛ فالاعتماد المفرط على سوق واحد، مثل الصين، قد يحمل مخاطر جيوسياسية إذا تصاعدت حدة التوترات بين الشرق والغرب.

التحدي يكمن في كيفية الاستفادة من التكنولوجيا الصينية والنمو الهندي والموارد الروسية، مع الحفاظ على علاقات متزنة مع الشركاء التقليديين في الغرب، وضمان عدم تحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

تحديات الاستدامة والاختلالات البنيوية للبريكس
رغم الصعود السريع، يواجه البريكس تحديات داخلية كبيرة؛ فالتفاوتات الاجتماعية في البرازيل وجنوب أفريقيا، والشيخوخة السكانية في الصين، والنزاعات الحدودية بين الصين والهند، والتنافس الجيوسياسي، كلها عوامل قد تعيق وحدة التكتل.

النمو الاقتصادي وحده لا يكفي لبناء نفوذ مستدام؛ إذ يجب أن يصاحبه استقرار سياسي داخلي، وقدرة على حل النزاعات بالوسائل الدبلوماسية.

وكذلك، بناء “نظام حكم عالمي” جديد يحتاج إلى أكثر من بنوك وعملات؛ فهو يتطلب رؤية ثقافية وسياسية قادرة على تقديم بديل مقنع للنموذج الليبرالي الغربي، وهو أمر لا يزال قيد التبلور داخل المجموعة.

مقارنة مع الغرب
بينما يواصل البريكس تعزيز استقلاله الاقتصادي والإستراتيجي، يشهد الغرب تراجعا نسبيا في السيطرة على الاقتصاد الدولي.. المؤسسات المالية الغربية التقليدية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لم تعد قادرة على فرض شروطها بنفس القوة، فيما يحاول الغرب التكيف مع التعددية القطبية الجديدة.

هذا التوازن الجديد يتطلب من أوروبا والولايات المتحدة البحث عن شراكات اقتصادية مرنة، بعيدا عن الاحتكار السابق، لمحاولة الحفاظ على نفوذهما العالمي دون مواجهة مباشرة مع قوى صاعدة.

بالنسبة للعالم العربي وأوروبا، يشكل هذا التحول فرصة وتحديا في آن واحد، والقدرة على الاستفادة من النظام متعدد الأقطاب الجديد تتطلب موازنة دقيقة بين الانفتاح على الشراكات الاقتصادية مع دول البريكس

آفاق المستقبل: نحو نظام متعدد الأقطاب
العالم اليوم لا يشهد نهاية الغرب، بل نهاية التفرد الغربي.. العالم في 2026 يتجه نحو تعددية قطبية حقيقية، حيث تصبح القوة موزعة بشكل أكثر عدلا بين القارات. البريكس ليس مجرد رد فعل على الهيمنة، بل هو فعل تأسيسي لنظام دولي جديد يعترف بالخصوصيات الثقافية واحتياجات التنمية لكل دولة.


بالنسبة للعالم العربي وأوروبا، يشكل هذا التحول فرصة وتحديا في آن واحد، والقدرة على الاستفادة من النظام متعدد الأقطاب الجديد تتطلب موازنة دقيقة بين الانفتاح على الشراكات الاقتصادية مع دول البريكس، وحماية السيادة الاقتصادية والعلاقات التقليدية مع الغرب.. الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية سيكون العامل الحاسم للنجاح في العقد القادم.

الخلاصة
صعود البريكس هو الحدث الجيوسياسي الأبرز في القرن الحادي والعشرين؛ ومع نحو 3.5 مليارات نسمة، وقوة اقتصادية تعادل 40% من الناتج العالمي، لم يعد التساؤل حول قدرة البريكس على النجاح مطروحا، بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف سيشكل البريكس ملامح الاقتصاد العالمي والحياة اليومية للدول خلال العقد القادم؟

القدرة على الملاحة في هذا النظام الجديد، وحماية السيادة الاقتصادية، والاستفادة من الشراكات الشرقية، ستكون المعيار الحقيقي لنجاح الدول في العقد المقبل.

والتحديات الداخلية للبريكس، والتنافس مع الغرب، وإعادة بناء مؤسسات مالية وسياسية جديدة، كلها عناصر ستحدد شكل النظام الدولي في المستقبل القريب.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى