البرازيل نحو جولة انتخابية ثانية: لولا يستعدّ لمعركة الحسم

سعيد محمد – الأخبار:
لم يتمكّن لويز إيناسيو لولا دا سيلفا من حسم الجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، فيما نجح فلافيو بولسونارو في تجاوز التوقعات مستفيداً من قاعدة والده اليمينية. ومع الانتقال إلى جولة الإعادة، يواجه لولا مهمة توسيع قاعدته في مواجهة زخم اليمين
مع فرز ما يقارب 99.4% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، حصد فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو، نسبة 47.2% من الأصوات الصحيحة، في مقابل 45% للرئيس الحالي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا. وإذ يعكس هذا الفارق الضئيل انقساماً متعمّقاً في أكبر ديمقراطيات أميركا الجنوبية، فهو يُعدّ مفاجئاً قياساً على استطلاعات الرأي التي سبقت الاقتراع، ومنحت لولا تقدّماً مريحاً في الجولة الأولى بـ45% على الأقلّ، مقابل 42% لفلافيو. والظاهر أن بولسونارو الابن تجاوَز تلك التوقّعات بفضل أداء قوي في المناطق الجنوبية والوسطى الغربية، حيث تحظى عائلته السياسية بقاعدة دعم راسخة، بينما حافظ لولا على تفوّقه في الشمال الشرقي، معقله التقليدي. وفي خصوص نسبة المشاركة، تشير النتائج إلى بلوغها مستويات مرتفعة، مع بقاء نحو 29 مليون ناخب خارج دائرة الاقتراع، وهي فئة ستسعى حملة الرئيس الحالي إلى استقطابها في الجولة الثانية.
ويتنافس على السلطة مشروعان سياسيان متباعدان: الأوّل يمثّله لولا وحزبه «العمّالي» (PT)، الذي يركّز على البرامج الاجتماعية وتوسيع شبكة الحماية وتعزيز السيادة الوطنية؛ والثاني، يقوده بولسونارو الابن وحزبه «الليبرالي» (PL)، الذي يطرح أجندة أمنية متشدّدة وتخفيضاً للإنفاق العام وعلاقات أوثق مع الولايات المتحدة. ويعمّق هذا الاستقطابَ إرثُ عائلة بولسونارو، تحديداً الرئيس السابق جايير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدّة 27 عاماً بتهمة التخطيط لانقلاب بعد خسارته انتخابات 2022، وهو حالياً رهن الإقامة الجبرية لأسباب صحية، في حين أن فلافيو، البالغ من العمر 45 عاماً والابن الأكبر بين أربعة أبناء، بدأ مسيرته السياسية نائباً في برلمان ولاية ريو دي جانيرو في سنّ 21، ثمّ انتُخب عضواً في مجلس الشيوخ عام 2018 عن الولاية نفسها.
وأعرب بولسونارو، الذي يقدّم نفسه كنسخة «أكثر اعتدالاً» من والده – مع تأكيده المستمر أن الأخير سيبقى «بوصلتي ونقطة مرجعيتي» -، عن ارتياحه لنتيجة الجولة الأولى، واصفاً الأصوات التي نالها بأنها «تصويت بالثقة»، وقال: «أنا سعيد للغاية بهذه الثقة. هذا ما يقارب أصوات 56 مليون برازيلي. يسعدني أن أرى أن البرازيل تريد التغيير». وإلى جانب فلافيو، حقّقت سلالة بولسونارو مكاسب كبيرة في الانتخابات التشريعية التي جرت بالتزامن مع الجولة الأولى؛ إذ فازت ميشيل بولسونارو، زوجة الرئيس السابق، بمقعد في مجلس الشيوخ عن العاصمة برازيليا، كما فاز كارلوس بولسونارو، الابن الثاني، بمقعد في ولاية سانتا كاتارينا، ليعزّز «الحزب الليبرالي»، بذلك، موقعه كأكبر قوة في مجلس الشيوخ بـ28 مقعداً من أصل 81، وينفتح الباب على صورة برلمان يميل بقوة نحو اليمين، بمعزل عن هوية الرئيس القادم. في المقابل، وصف لولا النتيجة بـ«المفاجئة»، معترفاً بأنه كان مقتنعاً بحسم السباق من الجولة الأولى، لكنه أبدى ثقته بقدرته على الفوز في جولة الإعادة، قائلاً: «المباراة بدأت للتوّ. نحن في الوقت الإضافي، وهناك سنُقنِع الشعب البرازيلي». كما دعا الرئيس البالغ من العمر 80 عاماً، والساعي إلى ولاية رابعة غير متتالية، الممتنعين عن التصويت إلى المشاركة، مشدّداً على أن «الوقت قد حان لإظهار الصورة الحقيقية للبرازيل».
تتوقّع استطلاعات الرأي الآن، أن يكون السباق في جولة الإعادة أيضاً متقارباً للغاية
ويأتي ذلك في وقت أشارت فيه استطلاعات الرأي، عشيّة الجولة الأولى، إلى أن بولسونارو الابن يتقدّم بين الناخبين البيض بنسبة 53% مقابل 40% للولا، في حين يتصدّر الأخير في أوساط الناخبين السود بنسبة 59% مقابل 33%. وعلى المستوى الطبقي، يحظى لولا بدعم 58% من الناخبين الذين يكسبون رواتب أقلّ، وفلافيو بتأييد 34% منهم، بينما ينقلب هذا الاتجاه لصالح المرشّح اليميني في صفوف مَن يكسبون رواتب أعلى، حيث يتقدّم بنسبة 55% مقابل 40%. أمّا التقسيم التعليمي، فيُظهِر هو الآخر صورة مطابقة؛ إذ يتفوّق لولا لدى الحاصلين على التعليم الابتدائي فقط، بنسبة 60% (33% لخصمه)، فيما يسبق فلافيو لدى الحاصلين على التعليم العالي بنسبة 52% (41% لمُنافسه). والجدير ذكره هنا، أن الناخبين من ذوي الدخل المنخفض والتعليم المحدود يتركّزون في الشمال الشرقي، حيث حقّق لولا نسبة 62% مقابل 31% لفلافيو، في حين يتركّز الناخبون الأكثر ثراءً وتعليماً في الجنوب والجنوب الشرقي، اللذَين يتقدّم فلافيو فيهما بنسب تصل إلى 59% في بعض المناطق. وإلى ما أنَف ذكره، يضاف البُعد الديني، الذي يُظهِر النظر من زاويته حصول لولا على 55% من أصوات الناخبين الكاثوليك (38% لخصمه)، وتفوّق فلافيو بين الإنجيليين بنسبة 62% مقابل 32%؛ علماً أن الانتشار الإنجيلي يرتبط تاريخياً بالطبقات الوسطى الصاعدة في المناطق الحضرية والضواحي، وهو ما يفسّر التحالف المتين بين التيّار المحافظ دينياً والتوجّه الليبرالي اقتصادياً.
وإذ تعبّر تلك البيانات عن بنية اجتماعية وعرقية مُركّبة تعيد إنتاج نفسها منذ انتخابات 2018 على الأقلّ، تتوقّع استطلاعات الرأي الآن، أن يكون السباق في جولة الإعادة أيضاً متقارباً للغاية؛ إذ أظهر أحدها تقدُّم لولا بنسبة 47% مقابل 46% لفلافيو، فيما اقتربت نتيجة استطلاع آخر من نقطة التعادل بنسبة 50.1% للولا و49.9% لفلافيو. وتمثّل هذه الانتخابات اختباراً حاسماً أخيراً لمسار «المدّ الوردي» في أميركا الجنوبية، حيث سُجّلت في السنوات الأخيرة موجة من الانتصارات اليمينية في الأرجنتين، وكولومبيا، وتشيلي، وبيرو، وبوليفيا. وفي حال فوز بولسونارو الابن، فستتحوّل البرازيل من آخر معاقل اليسار الكبرى في القارة إلى جزء من هذا التحوّل اليميني، بينما ستبقى الأوروغواي، الجار الصغير إلى الجنوب، الدولة الوحيدة التي تقودها حكومة يسارية.
وكانت وضعت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ثقلها للدفع بهذا التحوّل؛ إذ استخدمت الرسوم الجمركية والعقوبات وسيلة للضغط على البرازيل، فارضةً رسوماً بنسبة 50% على المُنتجات البرازيلية في تموز/ يوليو من العام الماضي، بدعوى بطلان محاكمة بولسونارو. وفي حين حوّل لولا هذه الضغوط إلى قضية سيادية، مصعّداً خطابه ضدّ «التدخّل» الأميركي – وصولاً إلى تأكيده في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن «البرازيل ليست حديقة خلفية لأحد» -، فقد شهدت شعبيّته ارتفاعاً ملحوظاً، من دون أن تنعكس فوزاً سهلاً من الجولة الأولى. وفي انتظار جولة الإعادة في 25 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، ستشهد البرازيل ثلاثة أسابيع من حملات انتخابية صاخبة، سيسعى لولا في خلالها إلى استعادة المبادرة واستمالة الناخبين الممتنعين، بينما سيحاول فلافيو الحفاظ على زخمه وتوسيع قاعدته الانتخابية. وما بين الاثنين، تظلّ النتيجة النهائية مرهونة بقدرة أيّ منهما على تجاوز حدود قاعدته التقليدية، واستدعاء مزيد من البرازيليين الذين امتنعوا عن المشاركة في الجولة الأولى، إلى صناديق الاقتراع.




