الانتخابات الإسرائيلية: لا تُمعنوا في الرهان فالقادم سيئ بنتنياهو أو من دونه

عريب الرنتاوي – الميادين:
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تُبقي جبهتي لبنان وغزة في حالة جمود و«عنف خفيض»، مع استمرار المفاوضات والعمليات العسكرية واحتمال تغيّر الموقف الإسرائيلي بعد تشكيل حكومة جديدة.
تُبدي الأوساط الدبلوماسية في الإقليم وعواصم القرار الدولي، قلقها من مغبة دخول ملفات لبنان وغزة في مرحلة من الجمود والمراوحة في دائرة “العنف الخفيض”، فوق التهدئة وتحت الحرب الواسعة، أقلّه لأشهر عدّة قادمة، جراء دخول “إسرائيل” في مناخات الاستحقاق الانتخابي المقرر في السابع والعشرين من الشهر الجاري.
القراءة الاستشرافية المدققة في المشهد الإسرائيلي خلال الأشهر المقبلة، تتكشف عن جملة من المعطيات والمؤشرات، ما لم يطرأ ما ليس في الحسبان من أحداث وتطورات مفاجئة، تقلب الصورة رأساً على عقب، كأن تندلع الحرب على الجبهة الإيرانية على نطاق واسع على سبيل المثال، مباشرة أو عبر البوابة اللبنانية، ويمكن تلخيص أبرز هذه المعطيات والمؤشرات على النحو الآتـي:
أولاً؛ انتخابات الكنيست الـ 25
- تشير كافة استطلاعات الرأي الصادرة عن مختلف المؤسسات، مع تفاوت في ما بينها بمقعد أو اثنين على الأكثر، إلى صعوبة فوز حزب الليكود والائتلاف الحكومي في الانتخابات القادمة، الفجوة بين معسكري الحكومة والمعارضة تراوح ما بين 7-9 مقاعد لصالح ائتلاف المعارضة، من دون احتساب الصوت العربي الذي يراوح ما بين 8-11 مقعداً
- وكما هو معلوم، فإن قانون الانتخاب الإسرائيلي يشترط حصول القائمة على 3.25 في المئة من الأصوات (عتبة الحسم)، لكي تتأهل لدخول الكنيست، ما يعادل أربعة مقاعد من أصل 120 مقعداً، أي أن أصغر حزب فيه، يتوفر على أربعة مقاعد، وأحياناً تكفي بضعة أصوات لكي يجتاز الحزب عتبة الحسم، أو يسقط دونها، ما يعني أن أربعة مقاعد قد تنتقل من معسكر إلى آخر، بفارق محدود من أصوات الناخبين، الأمر الذي يُبقي دائماً المجال مفتوحاً لبعض المفاجآت، سيما في ضوء التوازن الدقيق للقوى بين الأحزاب والكتل المتنافسة.
- حزب “يشار” الجديد، ويعني بالعربية “المستقيم”، برئاسة غادي إيزنكوت، رئيس أركان أسبق، وكان وزيراً في حكومة نتنياهو بداية الحرب على غزة، من ضمن حزب أبيض أزرق (كحول لفان)، برئاسة بيني غانتس، قبل أن يختلف الرجلان مع نتنياهو، ويغادرا الحكومة، هذا الحزب يتصدر مختلف الاستطلاعات، متفوقاً على الأحزاب جميعها، بما فيها الليكود، بفارق 1-3 أصوات، الأمر يختلف من استطلاع إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، على أن إيزنكوت بات يتقدم بثبات على نتنياهو، كأفضل شخصية لرئاسة الحكومة المقبلة من وجهة نظر الإسرائيليين، هذا لا يعني شيئاً، فرئيس الحكومة لا يأتي بالاستطلاعات ولا بالانتخاب المباشر، ولكنه مهم من الناحية السياسية والمعنوية كدلالة على هبوط شعبية “ملك إسرائيل” وتراجع ثقة الإسرائيليين بنتنياهو.
- الأرجح أن يدخل العرب الانتخابات بقائمتين، بعد أن فشلت محاولات تشكيل قائمة موحدة، واحدة يقودها منصور عباس، المتوقع أن يضع إسرائيلياً في الموقع الثاني (المضمون على قائمته)، يوآف سيغالوفيتش، عضو الكنيست الحالي على قائمة “يش عتيد-هناك مستقبل” برئاسة يائير لبيد، وهو ذو خلفية أمنية “جنائية” ، ويراهن منصور عباس على أن يكون هذا الرجل ممثل كتلته في أي ائتلاف قادم، إن وجدت أحزاب المعارضة أو السلطة، نفسها مرغمة على خطب ود حزب عربي لاستكمال نصاب الحكومة، منصور يعرف أن وزيراً عربياً في الحكومة ليس خياراً لدى مختلف الأحزاب السياسية، ولهذا انتقل للتفكير في تقديم هذا المرشح على لائحته، فيما سيغالوفيتش ربما يعتقد أنها قد تكون فرصته الراجحة للعود إلى الكنيست وربما الحكومة، بعد تراجع حزبه في استطلاعات الرأي العام.
- في المقابل، تتشكل القائمة المشتركة (الجبهة والتغيير والتجمع) لتضم بقية الأحزاب العربية، إن تم تجاوز عقبة تمثيل العربية للتغيير، والتقديرات أن القائمتين متساويتين من حيث فرصهما في الحصول على 4-6 مقاعد لكل منهما، مع أرجحية بمقعد زيادة للقائمة المشتركة، في حين أن دخولهما الانتخابات في قائمة موحدة، كان يمكن أن يعطيهما ما بين 15 -17 مقعداً
ثانياً؛ سيناريوهات ما بعد الانتخابات
- المهل الزمنية لتشكيل الحكومة
- 8 أيام لإعلان النتائج رسمياً
- 14 يوماً لمشاورات يجريها رئيس الدولة مع الكتل الفائزة من أجل اختيار المكلف بالتشكيل، غالباً من الحزب الأكبر.
- مهلة 42 يوماً للتشكيل، قابلة للتمديد 14 يوماً لتشكيل الحكومة
- إن فشل الرئيس المكلف في التشكيل، ينتقل التكليف إلى شخص آخر، مع مهلة 28 يوماً للتشكيل غير قابلة للتمديد
- في حال فشل المكلف الثاني، ينقل رئيس الدولة مهمة تشكيل الحكومة إلى الكنيست مباشرة، مع مهلة 21 يوماً لتشكيل الحكومة، يحق خلالها لكل عضو، التقدم بالترشح لهذه المهمة.
- إذا استقر الكنيست على مرشح ثالث، لديه مهلة 14 يوماً لتشكيل الحكومة، غير قابلة للتمديد.
- إذا فشل المرشح الثالث، فيصبح الكنيست منحلاً تلقائياً، ويجري الذهاب إلى انتخابات مبكرة في غضون 90 يوماً
- خلال هذه الفترة والتي قد تمتد من شهرين إلى 8 أشهر، وفقاً للسيناريو الذي سينظم الأحداث، يقوم نتنياهو وحكومته بمهام “تصريف الأعمال”، والتي عادة ما تُستغل للتملص من اتخاذ أي قرارات حاسمة في أي شأن غير مرغوب فيه، مع أن القانون يجيز للحكومة اتخاذ قرارات من هذا النوع، عند الضرورة.
- الانتخابات المبكرة، قد لا تفضي بالضرورة إلى النجاح في تشكيل حكومة جديدة، في مجتمع مستقطب بين علمانيين ودينيين، يمين متطرف وآخر أكثر تطرفاً، و”إسرائيل” شهدت في الفترة من آذار 2019 حتى نيسان 2021 أربعة انتخابات مبكرة، قبل أن تتشكل حكومة نتنياهو الحالية، مع فاصل أزيد من عام لحكومة بينت – لبيد، أي أن الانتخابات المبكرة قد تقود إلى أخرى.
ثالثاً؛ انعكاسات هذا الوضع على القضايا الإقليمية الكبرى
- التقديرات
- ستظل “إسرائيل” جاهزة لخوض غمار حرب موسعة ضد إيران، إن طلبت واشنطن إليها ذلك، المسألة تحظى بإجماع الأحزاب والرأي العام، هذا الأمر، لن يتغير بتغير الحكومة.
- لن تكون هناك أي اختراقات على مسارات المفاوضات، أو ترجمة الاتفاقات المبرمة مع لبنان (اتفاقية الإطار)، وغزة “خريطة الطرق” لتنفيذ مبادرة ترامب وبروتوكول شرم الشيخ، كما أبلغ كوشنير خليل الحية في لقائهما الأخير في القاهرة: لا تراهنوا على الانتخابات الإسرائيلية، فـ”إسرائيل” موحدة حين يتعلق الأمر بغزة، كل ما يمكن أن يحصل خطوات بسيطة في الجانب الإنساني، كأن يتم إدخال مزيدٍ من المساعدات، أو يُسمح بإدخال مواد غذائية ودوائية، انسحابات (إعادة انتشار) طفيفة من مناطق لا قيمة استراتيجية لها على الجبهة اللبنانية، تفادياً لصدام محتمل مع إدارة ترامب، وفي حال مارست هذه الإدارة ضغوطاً كافية عليها لفعل ذلك.
- حال تشكيل حكومة جديدة، يمكن أن يطرأ تطور في الموقف الإسرائيلي، في لبنان بخاصة، إن تأكد لهذه الحكومة، إن حزب الله سيضع سلاحه جانباً، المعارضة تميل إلى تفضيل حلّ وتطبيع مع الدولة اللبنانية، شريطة غياب حزب الله كلاعب “مقاوم” بدءاً من الجنوب، وربما تُقدم على توسيع “المناطق التجريبية” مع الاحتفاظ بسيطرة على الشريط الحدودي وحرية الحركة وإحباط التهديد.
- الشيء ذاته، قد يطرأ على غزة، قد تكتفي الحكومة الجديدة، بضمانات أمنية مشددة، ونزع سلاح المقاومة، دون الذهاب إلى إبقاء الاحتلال في عمق القطاع أو الشروع في استيطانه، مع إبقاء السيطرة على ممر صلاح الدين والشريط الحدودي، نظير علاقات أفضل مع واشنطن كذلك.
- استمرار “الحرب الخفيضة”، قضم متدرج حيناً، تدمير بنى تحتية غالباً، اغتيالات إن تطلب الأمر وتوفرت الفرصة على الجبهتين معاً.
- سيتواصل الزحف الاستيطاني في الضفة الغربية، وعمليات “الأسرلة” و”التهويد”، باعتبارها “كرتاً رابحاً” لكسب تعاطف لوبي الاستيطاني وجماعات اليمين الفاشي المتلهفة لـ “الحسم” في الضفة بخاصة، في حال تغيير الحكومة، سيتم التركيز أكثر على المنطقة (ج) التي تعادل 60 في المئة من مساحة الضفة، اليوم الحكومة الحالية، تدخل بالبؤر الاستيطانية ومعسكرات الجيش إلى المنطقة (ب) وتلامس حدود المنطقة (أ).
- الخلاصة:
- الوضع على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية سيبقى يراوح في مكانه من الناحية الجوهرية، وربما لعام آخر قادم، ستتواصل المفاوضات برعاية واشنطن، ولن يكون للوسطاء دور أكبر من منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة إن استطاعوا، وتسليك وصول مساعدات إنسانية، واحتواء بعض الأزمات الطارئة.
- “إسرائيل” ستبقى في حال استعداد لأي طلب أميركي للتدخل عسكرياً على نطاق واسع ضد إيران حال انهيار المسار الدبلوماسي ولجوء ترامب إلى خيار القوة الغاشمة
- لن تتوقف حرب المخابرات والاستخبارات ضد خصوم “إسرائيل” على مختلف الجبهات، والعمليات السرية في الأرض والبحر والجو، حال توفر الأهداف والإمكانية لإسقاطها.
- داخلياً: ستُعمق الانتخابات حالة الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، حول مسائل “المتدينين – الحريديم” والخدمة العسكرية والموازنات الخاصة بالمدارس الدينية، والإصلاح القضائي وغير ذلك من عناوين خلافية، كانت قائمة بعد 7 أكتوبر، ولم تفلح حرب السنوات الثلاث في تسويتها.




