الاقتصاد الروسي.. «معجزة» في زمن الحرب

عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في 22 فبراير 2022 كانت كل التقديرات الغربية تقول إن «الاقتصاد الروسي» سوف ينهار قبل انهيار «الجبهة العسكرية الروسية»، وإن روسيا دخلت في «مستنقع اقتصادي» قبل أن يكون «مستنقعاً عسكرياً»، وإن الانهيار الاقتصادي لروسيا قادم لا محالة، وقد يؤدي ذلك ليس فقط إلى تفكك الاتحاد الروسي، بل يمكن أن يقود إلى نهاية الأمة الروسية نفسها، وتنافست الصحف ومراكز الأبحاث الأمريكية والأوربية لتؤكد وجهة نظرها بأن الإقتصاد الروسي سوف ينهار في العام الثاني من الحرب، وأنه سوف يفقد 6% في العام الأول من الحرب، و8% من حجمه في 2023.
اعتمدت هذه التقديرات على نظرية «محطة البنزين»، والتي تقول إن الاقتصاد الروسي ليس إبداعياً أو مبتكراً مثل الاقتصاد الصيني، وما هو إلا «محطة بنزين» تبيع الفحم والغاز والنفط والكهرباء إلى جيرانها الأوروبيين، وإن توقف صادرات الطاقة الروسية سوف يشل الاقتصاد الروسي خصوصاً مع وقف العمل بخط «نورد ستريم 2» الذي كان سينقل نحو 55 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا بداية من عام 2022، وتدمير «نورد ستريم 1» في سبتمبر من عام الحرب 2022، والذي كان ينقل بالفعل 55 مليار متر مكعب سنوياً من غرب سيبيريا إلى شبكة الغاز الأوروبية، مع تراجع نقل الغاز في خطوط الغاز الأخرى مثل «خط يامال»، وخط الغاز الذي يمر عبر الأراضي الأوكرانية

وزاد من قناعة الغرب بأن الاقتصاد الروسي سوف يستنزف وينهار أن روسيا تنفق ما بين 500 مليون دولار إلى مليار دولار يومياً على المجهود الحربي، وجرى فرض أكثر من 30 ألف عقوبة على الاقتصاد الروسي، وتم فصل البنك المركزي الروسي عن نظام «السويفت» العالمي بالتزامن مع تجميد نحو 325 مليار دولار من الأصول الروسية في الغرب، وكل ذلك خلق ما يشبه «اليقين» في الغرب بأن الاقتصاد الروسي على وشك الانهيار
لكن بعد مرور 4 سنوات كاملة على الحرب في أوكرانيا، أثبت الاقتصاد الروسي «حيوية استثنائية»، وتعامل بحلول من خارج الصندوق مع كل التحديات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على روسيا، ونجح في صد كل «اللكمات» التي تم توجيهها خلال السنوات الأربع الماضية، بل الأكثر من ذلك، حقق معدلات نمو غير مسبوقة بلغت 4.1% في عام 2023,4.3% في عام 2024، والأكثر من كل ذلك أن الاقتصاد الروسي حقق في زمن الحرب «معجزة اقتصادية» بمعنى الكلمة، عندما تبوأ «الترتيب التاسع عالمياً» بناتج قومي وصل الى 2.5 تريليون دولار عام 2025 متجاوز بذلك اقتصادات عملاقة مثل كندا والبرازيل وجاء مباشرة خلف فرنسا وإيطاليا، وزاد الاقتصاد الروسي من مخزونه من الذهب والعملات الأجنبية لتصل إلى رقم قياسي لم تصل إليه الاحتياطات الروسية من قبل بنحو 800 مليار دولار في خزائن البنك المركزي الروسي
فما هي «الاستراتيجية الاقتصادية» الروسية التي نجحت في امتصاص كل التأثيرات السلبية للعقوبات الغربية؟ وكيف نجح الاقتصاد الروسي في الوقوف أمام حرب تمولها نحو 50 دولة على الجانب الآخر، وهي الدول التي تمول الجيش والاقتصاد الأوكراني؟ وما هي الأسرار الحقيقة التي دفعت بالاقتصاد الروسي ليكون «التاسع عالمياً» في زمن الحرب متقدماً على دول عملاقة لم تخض حرباً منذ عقود طويلة؟

جبهتان عسكرية وداخلية
مع بداية الحرب، وضعت روسيا «استراتيجية اقتصادية صارمة»، لأنها كانت تعلم أن انهيار الاقتصاد سوف يقود إلى الانهيار على «جبهتين»، الأولى «الجبهة العسكرية»، فالعجز عن تمويل «حرب طويلة» وليس من نوع الحروب «السريعة أو الخاطفة» سوف يؤدي في أدنى الحدود إلى «هزيمة استراتيجية» لروسيا بعدم تحقيق أهدافها من الحرب، ولهذا كان التعامل مع الاقتصاد كما هو التعامل في الجبهة لا يحتمل الخطأ حتى لو كان لمرة واحدة،
والثاني «الجبهة الداخلية»، لأن انهيار الاقتصاد أو الخدمات يمكن أن يزعزع الجبهة الداخلية، ويدفع ببعض القوى والجمهوريات الانفصالية إلى التمرد على الكرملين، وهو أمر يتعلق ببقاء ووجود الأمة الروسية، ولهذا عملت موسكو على سلسلة من المسارات لتجنب هذا الانهيار، بل وتحقيق معدلات نمو مرتفعه، واحتلال المركز التاسع في الاقتصاد العالمي عبر مجموعة من المسارات وهي:
أولاً: الاتجاه شرقاً
كانت الدول الأوروبية من أكثر الأقاليم التي تستورد السلع والخدمات الروسية قبل الحرب في أوكرانيا، ومع عبور أول جندي روسي الحدود في منطقة دونباس أعلنت الدول الأوروبية وقف التعاون الاقتصادي مع روسيا، لهذا اتجهت روسيا إلى الجانب الآخر وهي قارة آسيا، وخصوصاً مع دول عملاقة اقتصادياً مثل الصين والهند وإندونيسيا، وعندما حاول الغرب وضع سقف سعري للنفط الروسي لجأت روسيا إلى ما يسميه الغرب «أسطول الظل» الذي بات يضم اليوم نحو 350 سفينة لنقل الغاز والنفط الروسي إلى العالم دون التعرض للعقوبات الغربية، فعلى سبيل المثال وصل معدل التجارة بين الصين وروسيا إلى نحو 245 مليار دولار عام 2024، واستطاعت روسيا أن تُصدِّر جزءاً كبيراً من الغاز والنفط والفحم الذي كان يذهب لأوروبا ثم إلى الصين التي باتت تستورد ثلث صادرات روسيا، وحققت روسيا أكثر من 10 مليارات دولار فائضاً من تجارتها مع الصين العام الماضي بعد أن بلغت الصادرات الروسية للصين نحو 130 مليار دولار، بينما كانت وارداتها من التنين الصيني نحو 115 مليار دولار، ونفس السيناريو يتكرر مع الهند، حيث زادت التجارة بين البلدين بنحو 6 أضعاف عما كانت عليه التجارة قبل الحرب الروسية الأوكرانية، فقبل 2022 كان حجم التجارة بين نيودلهي وموسكو لا يتجاوز 13 مليار دولار، لكن في نهاية 2025 بلغ أكثر من 69 مليار دولار، وفيه فائض ضخم لروسيا يصل الى 63 مليار دولار، لكن الأهم بالنسبة للاقتصاد الروسي هو نمط الواردات التي تأتي من الصين والهند، لأن هذه الواردات شكلت البديل المثالي والرخيص للبضائع الأوروبية، وهو ما جعل المواطن الروسي لا يشعر كثيراً بحجم التأثير الناتج عن الحرب في أوكرانيا.
ويحسب لروسيا أيضاً أنها تحركت بسرعة ومهنية في الجانب الآسيوي، وعلى غرار «نورد ستريم 1، ونورد ستريم 2» لنقل الغاز إلى أوروبا، وسعت روسيا مع الصين قدرات خط نقل الغاز الروسي إلى الصين «قوة سيبريا الأول»، وجرى الاتفاق على بناء خط جديد لتوصيل الغاز إلى الصين، وهو «قوة سيبريا 2» الذي ينقل الغاز من حقول غرب سيبريا إلى منغوليا ومنها إلى شمال الصين، والمقرر له أن ينقل نحو 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي للصين على غرار ما كان مقرراً مع «نورد ستريم 2» مع أوروبا، وفي عام 2024 استقبلت الصين والهند معاً نحو 41% من إجمالي الصادرات الروسية، وتوسع روسيا علاقاتها مع قوى آسيوية أخرى مثل فيتنام وباكستان.

ثانياً: الجنوب العالمي
راهنت الدول الغربية في بداية الحرب على فرض «عزلة اقتصادية» على الاقتصاد الروسي، لكن نظراً لأن العقوبات الاقتصادية الغربية لم يخرج بها قرار من مجلس الأمن الدولي، رفضت أغلبية الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي الالتزام بها، وساهمت المواقف الروسية في تعزيز هذه السياسات لدى ما بات يعرف ب«الجنوب العالمي» حيث نجحت روسيا بالاستمرار في علاقاتها الاقتصادية مع دول كبيرة في الجنوب مثل البرازيل وتركيا وكل دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول بحر الصين الجنوبي، وهناك مؤشرات كثيرة على أن الاقتصاد الروسي نجح خلال سنوات الحرب في تعزيز علاقاته الاقتصادية مع دول كانت وجهتها الاقتصادية غربية كما هو الحال مع دول الساحل والصحراء في إفريقيا.
ثالثاً: الصناعات الدفاعية
يعرف عن روسيا التي تزيد مساحتها على 17.5 مليون كلم، وعدد سكانها يتجاوز 140 مليون نسمة أنها تتمتع بقاعدة صناعية عسكرية منذ أيام روسيا القيصرية والاتحاد السوفييتي السابق، ومع بدء الحرب الروسية الأوكرانية استثمرت الحكومة الروسية مليارات الدولارات في بناء وتوسيع المصانع العسكرية خصوصاً أن «نمط الحرب الروسية الأوكرانية» يتسم في جزء كبير منه ب«الحرب التقليدية» التي تعتمد على الدبابات والمدفعية والمدرعات، حيث يتم استهلاك نحو 500 ألف قذفية مدفعية شهرياً على جانبي جبهة الحرب، ولتوفير كل الأسلحة والذخيرة للجبهة أنفقت موسكو نحو 500 مليار دولار على توسيع القاعدة الصناعية للحرب وهو ما يطلق عليه البعض «اقتصاد الحرب»، لكن الأهم من كل ذلك أن تحول الاقتصاد الروسي نحو «اقتصاد حرب» وفر الكثير من الوظائف، بل وساهم في رفع معدل دخل الفرد خلال فترة الحرب، ومنذ اليوم الأول للحرب قالت روسيا إنها سوف تعطي الأولوية لتعزيز خطوط الإنتاج للمجمع الصناعي العسكري الذي تلقى تمويلات سخيه طوال 4 سنوات، وتزامن ذلك مع سياسة نقدية حكيمة زاوجت بين رفع الفائدة واستقرار الميزانية.

رابعاً: الغاز المسال
رغم كل القرارات والجهود الأوروبية للضغط على الاقتصاد الروسي عبر وقف شراء الغاز، إلا أن الحقائق على الأرض تقول غير ذلك، فحتى اليوم تشتري أوروبا نحو 49% من إجمالي صادرات روسيا من الغاز المسال، وفي الربع الأول من عام 2025 كانت قيمة الغاز المسال الروسي الذي اتجه نحو أوروبا بنحو 5.5 مليار دولار، ناهيك أن الكثير من الغاز والنفط الروسي يصل إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر طرف ثالث بعد تكريره أو تحويله إلى صورة جديدة مثل البنزين.
خامساً: دبلوماسية الأسمدة
تعد روسيا «القوة الضاربة» ليس فقط في تصدير القمح والذرة والشعير، بل تمثل أكثر من 20% من تجارة الأسمدة العالمية، وهذا الأمر له مكانة في العالم خصوصاً أن روسيا تحافظ على سعر متوازن للغذاء العالمي عبر سعر مقبول للأسمدة، حيث تصدر روسيا نحو 40 مليون طن من الأسمدة سنوياً بجانب تصديرها نحو 47 مليون طن من القمح، وعززت دبلوماسية الأسمدة التبادلات الاقتصادية ليس فقط بين روسيا ودول العالم مثل البرازيل والهند والصين بل مع أوروبا والولايات المتحدة نفسها، فالاتحاد الأوروبي استورد نحو 15% من الأسمدة الروسية خلال عام 2025، وبالرغم من فرض عقوبات متدرجة على القمح والأسمدة الروسية من جانب أوروبا لا يزال القمح والأسمدة الروسية تتدفق على البلدان الأوربية.

سادساً: شعرة معاوية
رغم القرارات الأوروبية بقطع التعاون الاقتصادي مع روسيا، فإن الواقع خلال السنوات الأربع الماضية أثبت أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة ما زالت تعتمد على روسيا في بعض السلع والخدمات التي يصعب استبدالها أو إيجادها بعيداً عن السوق الروسية، وهناك بضائع روسية كثيرة تصل إلى أوروبا والولايات المتحدة، وتجني منها روسيا مليارات الدولارات، وهذه السلع هي:
1 -اليورانيوم
ففي النصف الأول من عام 2025 استوردت الولايات المتحدة يورانيوم من روسيا بنحو 800 مليون دولار، ولا تزال المفاعلات النووية الأوروبية وخصوصاً الفرنسية والمجرية منها تعتمد على اليورانيوم الروسي، ولا تزال روسيا هي اللاعب الأول عالمياً في توفير وقود اليورانيوم للمفاعلات النووية.
2 – المعادن النادرة
نظراً لتزايد الاعتماد الأوروبي والأمريكي على المعادن النادرة وشدة التنافس الصيني الغربي على هذه المعادن، استغلت روسيا حاجة الغرب للمعادن النادرة واستطاعت أن تحصل على حصة من السوق الغربي لبعض هذه المعادن، ففي النصف الأول من عام 2025 استوردت الولايات المتحدة معدن «البلاديوم الروسي» بنحو 600 مليون دولار، كما أن الاتحاد الأوروبي استورد «نيكل وليثوم» من روسيا بنحو مليار دولار خلال العام الماضي.
المؤكد أن صمود الاقتصاد الروسي طوال 4 سنوات من الحرب لم يكن مصادفة عابرة، بل كان نتيجة استراتيجية «تعدد القطبية الاقتصادية» التي عمل عليها الكرملين مستفيداً من الموارد الطبيعية الضخمة، والاحتياطات الهائلة من المعادن النادرة بجانب الذهب والنفط والغاز واليورانيوم.





