أبرزرأي

“الاتحاد الأفريقي” ومستقبل حوض البحر الأحمر في ظل حرب الخليج

عباس محمد صالح – الميادين:

تشكّل هذه الحرب فرصة ثمينة لدول منطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر لتعزيز مصالحها ورسم ملامح مستقبل منطقتها التي تزداد أهميتها الجيوسياسية يوماً بعد يوم

أعادت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 شباط/فبراير، إبراز الأهمية المتنامية لمنطقة البحر الأحمر وحوضه، كما سلّطت الضوء على عمق الترابط في المصالح بين القرن الأفريقي من جهة، وشبه الجزيرة العربية والخليج من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تتعزّز الحاجة إلى بناء مقاربة تكاملية بين هاتين المنطقتين الحيويتين، بما يفرض على الفاعلين الإقليميين الاضطلاع بدور قيادي في إطلاق وتفعيل مبادرات مشتركة جادّة تخدم الاستقرار والمصالح المتبادلة.

في الوقت ذاته، فضحت الحرب الدائرة حالياً في الخليج معضلة كبرى يعاني منها الاتحاد الأفريقي، تتمثّل في استمرار تراجعه عن مواكبة الأحداث الدولية، والدفاع عن المصالح الجماعية للقارة الأفريقية، وذلك في خضمّ تفاعلات إقليمية ودولية تمسّ هذه المصالح بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، ألقت هذه الحرب بظلالها المباشرة على العديد من الدول الأفريقية، التي تأثّرت خلال أسابيع قليلة فقط بتزعزع سلاسل الإمداد والطاقة المقبلة من الشرق الأوسط، مما يهدّد بحدوث اضطرابات سياسية واجتماعية فيها.

بل إنّ سيطرة إيران على حركة الملاحة في مضيق هرمز قد خلقت أزمة عالمية قادرة على إحداث المزيد من الأزمات والاضطرابات إذا طال أمدها. والأمر نفسه ينطبق على مضيق باب المندب، حيث قد يتحوّل أيّ إغلاق له إلى كارثة عالمية، خاصة بعد تهديدات “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن بأنهم سينخرطون في هذه الحرب إلى جانب إيران إذا ما انخرطت “أيّ تحالفات أخرى” فيها.

وبغضّ النظر عن نتائجها النهائية، تشكّل هذه الحرب فرصة ثمينة لدول منطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر لتعزيز مصالحها ورسم ملامح مستقبل منطقتها التي تزداد أهميتها الجيوسياسية يوماً بعد يوم. وهنا، يبرز مجدّداً سؤال جادّ حول فشل الاتحاد الأفريقي وعجزه عن التفاعل مع أحداث محورية كهذه الحرب، والتي طرحت بقوة ترتيبات جديدة لأمن واستقرار البحر الأحمر.

في أهمية البحر الأحمر عالمياً
يتزايد الثقل الجيوسياسي للبحر الأحمر باستمرار مع كلّ المتغيّرات التي يشهدها العالم، فهو لا يقلّ عن كونه شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي تمرّ عبره التجارة والطاقة عبر باب المندب وقناة السويس، كما أنه يشكّل حلقة وصل استراتيجية تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

أما بالنسبة لدول المنطقة، فقد ساد على مدار العقود الماضية منطق التنافس والصراع وليس التكامل الأمني الإقليمي، سواء في الخليج أو في الإقليم الأوسع. وهذا التنافس “السالب” هو ما جعل الاهتمام بمنطقة البحر الأحمر كمنطقة حيوية لمصالح دول الخليج أمراً هامشياً. لذلك، فإنّ أيّ ترتيبات مستقبلية، سواء كانت قائمة على التكامل أم حتى على التنافس، ينبغي أن تستند إلى ترتيبات إقليمية جديدة لضمان الأمن والاستقرار في حوض البحر الأحمر، وفق “قواعد لعبة جديدة” مصالح جميع الأطراف، حتى لو بدا ذلك صعب المنال في المدى المنظور، وفي ضوء نتائج الحرب الحالية أيضاً.

ورغم أنّ مسألة حوكمة البحر الأحمر، وكيف يمكن للاتحاد الأفريقي أن ينخرط فيها كفاعل أصيل وقائد رائد لمثل هذه المبادرات، تطرح نفسها بقوة، إلا أنّ الصراعات والتنافس بين الدول الأعضاء والمؤسسات والآليات المختلفة داخل المنظّمة، وتراجع القيادة الابتكارية، وخضوع المنظّمة للتأثيرات الخارجية، إضافة إلى ارتهان أنشطتها للتمويل الخارجي، كلّها عوامل حدّت بشكل كبير من قدرة الاتحاد على وضع سياسة استراتيجية مستقلة وقابلة للاستمرار.

لقد بدأ الأمر مؤخّراً يفرض نفسه بقوة، حيث باتت مسألة حوكمة البحر الأحمر تضع الاتحاد الأفريقي أمام عاصفة من الانتقادات لعدم انخراطه في التفاعلات الحاسمة المتعلّقة بهذه العملية.

وفي هذا السياق، كانت هناك ثلاثة أحداث رئيسية وقعت في البحر الأحمر، جعلت الملف في صلب مناقشات الاتحاد الأفريقي وأجبرته على التحرّك، وهي: مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، والاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”، وأخيراً الحرب في الخليج والتهديدات بإغلاق باب المندب. لقد شكّلت هذه الأحداث مناسبة مثالية للاتحاد الأفريقي لإعادة تنشيط مبادراته التي تعثرت وطواها النسيان في السنوات الماضية.

إحياء مبادرات الاتحاد الأفريقي
بشكل عامّ، افتقرت سياسات ومبادرات الاتحاد الأفريقي بشأن البحر الأحمر إلى الاتساق، كما ظلت آلياته في هذا الشأن عرضة للتداخل مع ملفات وقضايا راهنة أو طارئة أخرى.

وفي خطوة تهدف إلى إحياء مبادرة الاتحاد الأفريقي بشأن الترتيبات الجماعية والمصالح الأفريقية في هذه المنطقة، عُيّن في 25 آذار/مارس الرئيس التنزاني الأسبق جاكايا كيكويتي في منصب “الممثّل السامي للاتحاد الأفريقي لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر”، وذلك بقرار من رئيس مفوّضية الاتحاد.

وجاء في بيان رئيس المفوّضية بهذا الخصوص أنّ الرئيس كيكويتي “سيدعم جهود الاتحاد الأفريقي لمعالجة الديناميكيات السياسية والأمنية المعقّدة في جميع أنحاء المنطقة”، وأنّ مهامه تشمل، من بين أمور أخرى، “تعزيز الدبلوماسية الوقائية، وتيسير الحوار السياسي الشامل، وتعزيز بناء الثقة بين الأطراف المعنية، وتقوية آليات التعاون الإقليمي الرامية إلى إرساء السلام والاستقرار المستدامين”. كما أوضح البيان أنّ الممثّل السامي “سيعمل بتنسيق وثيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ومجموعة شرق أفريقيا، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، وغيرهم، وذلك بهدف ضمان التماسك والتكامل والفعّالية في الجهود الجماعية لتعزيز السلام والاستقرار والأمن”.

وشدّد البيان على أهمية هذا التنسيق بين الشركاء، “نظراً للأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بالنسبة للتجارة الدولية واستقرار القارة الأفريقية عموماً”، معرباً عن الثقة التامّة بأنّ “خبرة الرئيس كيكويتي وقيادته وحكمته ستسهم إسهاماً كبيراً في دعم دول المنطقة، فضلاً عن الآليات الإقليمية والدولية ذات الصلة، في مواجهة التحدّيات الراهنة وتعزيز السلام والاستقرار والازدهار الدائمين”.

ورغم أهمية هذا التعيين الذي يُعتبر بمثابة “صحوة” تعكس رغبة الاتحاد في الانخراط بتفاعلات هذه المنطقة الحيوية، إلا أنّ وسائل إعلام داخل القارة كانت قد أفادت بتعيين جاكايا ممثّلاً سامياً للاتحاد في جنوب السودان، قبل أن يتمّ الإعلان بعد ساعات عن تعيينه في هذا المنصب الجديد! والأكثر من ذلك، أنّ مثل هذا القرار لم يطرح في وثائق القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي المنعقدة بأديس أبابا بين 14 و15 شباط/ فبراير 2026، مما يشير إلى أنّ غياب الموقف الاستراتيجي واستمرار ممارسات المساومات في خضمّ الصراعات بين الدول الأعضاء، والاختلاف حول الأولويات الاستراتيجية والمصالح العليا للقارة، لا يزال قائماً حتى مع صدور هذا القرار في هذا التوقيت.

وفي خضمّ هذا التنافس الجيوسياسي، أثار الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 احتمالات بروز محور إقليمي جديد في إطار ما يمكن تسميته “تحالف سداسي” يضمّ (إسرائيل، الهند، الإمارات، اليونان، قبرص)، والذي سيعمل على دعم “إسرائيل” في إعادة تشكيل البحر الأحمر ومواجهة أطراف إقليمية منافسة أخرى. أما التحدّي الحقيقي الذي يطرحه هذا السياق أمام الاتحاد الأفريقي، فهو يتمثّل في الانعكاسات والمخاطر التي تهدّد وحدة الدول وسيادتها، ومستقبل الجغرافيا السياسية للمنطقة بأسرها.

رؤية مبكرة لفريق أمبيكي
منذ وقت مبكر، ومع بروز توجّهات تنافسية حول النفوذ والموارد و”دبلوماسية الموانئ” التي تحوّلت مؤخراً إلى سياسة أكثر عدوانية تستهدف تفكيك الدول ومؤسساتها وجيوشها الوطنية، واللجوء إلى دعم وكلاء محليين لتحقيق مصالح بعض الأطراف مثل ما يجري في السودان كنموذج، سعى الاتحاد الأفريقي – بعد تردّد وتجاهل وضعف في الإرادة السياسية – إلى مواكبة هذه التحرّكات الإقليمية الجديدة. بيد أنّ هذه المحاولة اصطدمت بمعوقات داخلية في الاتحاد لم تعطّل فقط أيّ مبادرة إيجابية، بل حرمت الاتحاد أيضاً من تولّي دور قيادي في هذه الجهود وامتلاك زمام المبادرة.

في هذا السياق، كان فريقٌ قاده الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق تابو أمبيكي قد طرح رؤية مبتكرة لتعزيز مصالح الأفارقة وقيادة الاتحاد الأفريقي لجهود حوكمة البحر الأحمر، بصفته منطقة تزداد أهميتها لدول المنطقة والدول الكبرى على حدّ سواء. وكانت الرؤية تقوم على إرساء مفهوم “وكالة أفريقية” والقيادة الأفريقية المستندة إلى مبادئ “البان أفريكانيزم” (الوحدة الأفريقية)، مع امتلاك زمام المبادرة والاستقلال تجاه الشركاء الإقليميين والدوليين.

وبناءً على تفويض من مجلس السلم والأمن في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، وفي إطار دعم الاستقرار الإقليمي، كُلّفت “الهيئة رفيعة المستوى للتنفيذ” التابعة للاتحاد الأفريقي (AUHIP) بـ”إجراء دراسات وأنشطة بحثية ومشاورات مع الدول الأعضاء في إيغاد وحوض البحر الأحمر حول تحدّيات التنمية والحوكمة والأمن”. ومن هنا تشكّل ما عُرف بـ “فريق الاتحاد الأفريقي رفيع المستوى المعني بالبحر الأحمر” – أو “الفريق العامل” بحسب بعض الوثائق – بقيادة الرئيس أمبيكي.

وفقاً لزاك فرتين (خبير استراتيجي ودبلوماسي أميركي متخصص في شؤون البحر الأحمر)، فإنّ “الفريق المعني بالتنفيذ” عمل على وضع خطة شاملة للسلام والتنمية في القرن الأفريقي، مدافعاً عن رؤية أوسع لحوكمة المنطقة تنتقد اقتصار النظام الإقليمي في البحر الأحمر على “الدول الساحلية” فقط، من خلال استصحاب “أصحاب المصلحة الأفريقيين الشرعيين”، والعمل في الوقت نفسه على ضمان “المصالح الأفريقية الجماعية في حوكمة البحر الأحمر”.

وبناءً على ذلك، سعى الفريق العامل حتى آذار/مارس 2022 إلى وضع استراتيجية أفريقية متكاملة بشأن البحر الأحمر، انطلاقاً من موجة التنافس بين القوى الإقليمية، وموجة التكالب الجديدة من قبل الدول الكبرى. وقد خلص الفريق إلى أنّ “الاهتمام المتزايد لدول حوض البحر الأحمر بمنطقة القرن الأفريقي يخلق فرصاً غير مسبوقة لتعزيز التعاون الاقتصادي وإمكانات الاستقرار الجماعي والتنمية في دول حوض البحر الأحمر”. ومن هنا، سعى الفريق إلى مواكبة هذا التنافس من جهة، وجعل الاتحاد الأفريقي في موقع قيادة هذه الديناميكيات الإقليمية بدلاً من تجاهلها أو البقاء تابعاً للآخرين.

وعطفاً على ذلك، ترى مذكّرة إحاطة صادرة في آذار/مارس 2020 عن “لجنة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى بشأن الترتيبات الإقليمية حول البحر الأحمر” أنه “من الأفضل خدمة المصالح والتنمية طويلة الأجل لدول القرن الأفريقي من خلال سياسات مبدئية وجماعية تستند إلى إطار مؤسسي مستدام، وليس على المصالح الآنية وإملاءات المنافسة بين دول الخليج”.

ووفقاً لأمبيكي، فإنّ الاتحاد الأفريقي يشجّع التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في القرن الأفريقي “لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية: السلام والاستقرار، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتكامل والوحدة”. فبدلاً من التنافس بين دول الخليج وتداعياته السلبية على المنطقة، “سعت اللجنة إلى إطلاق حوار استراتيجي مع دول المجلس لتحقيق السلام والاستقرار في القرن الأفريقي”، وذلك بهدف “تعزيز السيادة الأفريقية” ووضع “ترتيبات إقليمية أفريقية لإدارة شؤون البحر الأحمر”.

يبدو واضحاً أنّ فريق التنفيذ العامل بقيادة أمبيكي، الذي كان يحمل أفكار وأحلام الوحدة الأفريقية ومثالياتها، قد واجه عراقيل وعقبات وصراعات مع المفوّضية السابقة التي قادها التشادي موسى فكي (بين آذار/مارس 2017 وشباط/فبراير 2025)، حتى انتهت ولاية تلك المفوّضية. وقد تمّ استبدال هذا الفريق اعتباراً من آب/أغسطس 2021 بمنصب “الممثّل السامي للقرن الأفريقي”، وهو المنصب الذي تولّاه أوليسيغون أوباسانجو (الرئيس النيجيري الأسبق). لكن لم يكن واضحاً ما إذا كان ملف البحر الأحمر ضمن تفويضه أم لا، رغم تكليفه من مفوّضية الاتحاد الأفريقي بالتحرّك لوقف التصعيد بين إثيوبيا والصومال والوضع في السودان، وذلك عقب توقيع الأولى مذكّرة تفاهم مع “صوماليلاند” في كانون الثاني/يناير 2024 بشأن الوصول إلى البحر الأحمر وإقامة قاعدة عسكرية وميناء تجاري، وهي المذكّرة التي أُلغيت لاحقاً بعد مبادرة تركية بين الطرفين.

على ما يبدو، فإنّ فريق الاتحاد الأفريقي المعني بالبحر الأحمر ينطلق من رؤية سلبية تجاه “منتدى الدول العربية والأفريقية المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر” (أو”منتدى الرياض”)، الذي أُعلن عن ميثاقه التأسيسي في كانون الثاني/يناير 2020، إذ يعتبره “مبادرة عربية خاصة” أو لا ترعي المصالح الأفريقية وتحديداً “الدول غير الساحلية”، أكثر منه مبادرة إقليمية شاملة يمكن البناء عليها.

“طالبان القرن الأفريقي”: عامل الحوثي وحركة الشباب
تواترت في الآونة الأخيرة تقارير عديدة عن علاقات تعاون وتبادل خبرات بين “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن و”حركة الشباب المجاهدين” الموالية لتنظيم القاعدة في الصومال، وذلك في مواجهة “العدوّين القريب والبعيد”. وهذا الترابط بين ضفتي البحر الأحمر يشكّل تهديدات للأمن والاستقرار الإقليميين من جهة، ويهدّد حرية الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر، ويستهدف باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية من جهة أخرى.

إنّ تحالف الحوثي وحركة الشباب- رغم الاختلافات المذهبية الجذرية بينهما – يهدّد بإعادة تجربة “طالبان” في الصومال، أي احتمالات سيطرة حركة الشباب على كامل البلاد، وذلك في ضوء تمرّد الحركة التي ظلّت عصية على جميع الحملات العسكرية التي شنّتها عليها قوات الحكومة الفيدرالية وقوات الاتحاد الأفريقي، علاوة على الضربات التي ظلت تنفّذها الولايات المتحدة ودول أخرى ضدّ أهداف ومناطق خاضعة لسيطرتها.

تُعدّ حركة الشباب واحدة من أقوى الفروع المتبقّية لتنظيم القاعدة بعد طرده من أفغانستان وخسارته معقله هناك، بل هي الأكثر ثراءً بين الجماعات الجهادية في العالم، نتيجة لتجذّر نموذجها في الأراضي الصومالية وانتشار شبكاتها في القرن الأفريقي الكبير وشرق أفريقيا. وقد أدّى استعصاء الحركة إلى انتشار مخاوف جدّية من أن يؤدّي تعزيز قدراتها عبر الحوثيين إلى تمكينها من تطوير قدراتها البحرية، إلى جانب سيطرتها على مناطق واسعة داخل الصومال، وبالتالي فرض سيطرتها على البلاد، ولا سيما في ظلّ تراجع الزخم الدولي والإقليمي لدعم القوات الأمنية الصومالية مؤخّراً.

ونظراً لأهمية منطقة حوض البحر الأحمر وارتباطها الوثيق بشبه الجزيرة العربية، فإنّ مثل هذا السيناريوهات قد تؤدّي إلى بعث “تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية” من جديد، مما يشكّل تهديداً مباشراً للأنظمة في الخليج ومصالح الدول الكبرى. كما أنّ احتمالات انخراط الحوثيين في حرب الخليج، على غرار ما فعلوه في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى كانون الثاني/يناير2024، من شأنها أن تفاقم التوتر القائم أصلاً، والذي زادته تطلّعات إثيوبيا بشأن الوصول إلى البحر عبر إريتريا.

خاتمة
في ظلّ تصاعد المخاوف من إغلاق مضيق باب المندب وما قد يترتّب عليه من تفاقم للأزمة العالمية، يبدو أنّ البحر الأحمر مرشّح ليكون بؤرة تركيز رئيسية لتفاعلات الصراع، بغضّ النظر عن مآلات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. فمن المرجّح أن يتحوّل هذا الممر الحيوي إلى الساحة الأكثر حساسية في أيّ مواجهة مقبلة، بوصفه امتداداً لتحقيق أهداف الحرب الراهنة، وكذلك استكمالاً لتداعيات حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025.

ويظلّ هذا الاحتمال قائماً سواء نجح محور واشنطن/”تل أبيب”/أبو ظبي في تحقيق أهدافه، أو تمكّنت إيران من امتصاص صدمة هذه الحرب، أو نجحت بقية دول الخليج- من جانبها- في تأمين مصالحها ضمن سياق إقليمي سيفرض معطيات جديدة حول مستقبل هذه المنطقة.

كذلك، وفي عصر حروب المسيّرات والقوة الجوية الضاربة، وما تسبّبه من أضرار جسيمة كما في حرب الخليج الحالية، ولا سيما استهداف الأصول والمقدّرات الحيوية والاستراتيجية للدول، فإنّ الأمن القومي لأيّ دولة يبدأ من خارج حدودها. وبالتالي، فإنّ تأمين البحر الأحمر- من خلال ترتيبات إقليمية جديدة يقودها أصحاب المصلحة الحقيقيون- لا يضمن فقط المصالح الاقتصادية لدول المنطقة من خلال انسياب النفط والغاز إلى العالم، بل إنه يرسم أيضاً ملامح مستقبل دائم للأمن والاستقرار في هذه الساحة الحيوية من العالم.

ولكن، ومع الأسف، يبدو أنّ الجانبين في حوض البحر الأحمر – (“مجلس التعاون الخليجي” من جهة، والاتحاد الأفريقي و”إيغاد” من جهة أخرى) – لن يكونا قادرين، في المدى المنظور، على إيجاد “نظام إقليمي شامل” يمكن أن يجمع بينهما. بل على العكس، سيظلّ الطرفان أسرى لأطراف خارجية أخرى تبدو أكثر نشاطاً وانخراطاً في تولّي زمام المبادرة في هذا الإطار.

.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى