رأي

الإمارات وروسيا وشراكة التوازن

كتب خالد راشد الزيودي, في الخليج:

في إطار مسار تاريخي ممتد من العلاقات المتوازنة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وروسيا، جاءت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، إلى موسكو لتؤكد ثبات النهج الإماراتي في إدارة علاقاتها الخارجية، نهج يقوم على الحكمة السياسية، والانفتاح المدروس، وتغليب منطق الحوار والتفاهم في التعامل مع القضايا الدولية المعقدة. فالزيارة، وهي الثانية خلال ستة أشهر، لا يمكن اختزالها في بعدها البروتوكولي أو الدبلوماسي التقليدي، بل تعكس رؤية استراتيجية واعية لطبيعة التحولات الجيوسياسية التي يشهدها النظام الدولي في مرحلته الراهنة، وما تفرضه من مقاربات أكثر توازناً ومرونة في إدارة العلاقات بين الدول.
وتكتسب هذه الزيارة دلالتها الخاصة من توقيتها، إذ تأتي في لحظة دولية تتسم بتداخل الأزمات وتراجع اليقين، حيث لم تعد العلاقات الدولية محكومة بإيقاع مستقر أو قواعد واضحة كما في السابق. وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، وتزايد مظاهر الاستقطاب بين القوى الكبرى، باتت السياسة الخارجية الرشيدة هي تلك القادرة على الجمع بين حماية المصالح الوطنية والانخراط الإيجابي في الجهود الدولية الرامية إلى حفظ الأمن والاستقرار. وهو ما ينسجم مع النهج الذي تبنته دولة الإمارات خلال السنوات الماضية، والقائم على بناء الشراكات، وتعزيز قنوات التواصل، وتجنب الانزلاق إلى منطق المواجهة أو الاصطفاف الحاد.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ يمر العالم بمرحلة تتسم بتزايد الأزمات، وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبرز الحاجة إلى أدوار عقلانية لدول تمتلك رصيداً من الثقة والمصداقية، وقادرة على التواصل مع مختلف الأطراف من دون الانخراط في منطق الاصطفاف أو الحسابات الصفرية. وهو ما جعل دولة الإمارات طرفاً فاعلاً ومقبولاً في عدد من الملفات الدولية الحساسة.
وتستند العلاقات الإماراتية الروسية إلى إرث ممتد لأكثر من خمسين عاماً من التعاون المتدرج، الذي شمل مجالات متعددة مثل الاقتصاد والطاقة والتعليم والسياحة والتبادل الثقافي والتعاون الإنساني. وقد شهدت هذه العلاقات خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، انعكس في تنامي التبادل التجاري وتوسع مجالات الاستثمار وتعزيز التنسيق السياسي، بما يخدم المصالح المشتركة ويواكب التحولات المتسارعة في البيئة الدولية.
وتأتي زيارة صاحب السمو رئيس الدولة إلى موسكو في لحظة فارقة، تتزامن مع استضافة دولة الإمارات محادثات ثلاثية تضم روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، في مسعى دبلوماسي يهدف إلى فتح مسار واقعي للتسوية السياسية، ووضع حد للمأساة الإنسانية المستمرة منذ اندلاع الحرب في فبراير/ شباط ألفين واثنين وعشرين. وتعكس استضافة أبوظبي لهذه المحادثات المكانة التي باتت تحظى بها الدولة كوسيط موثوق، قادر على توفير بيئة حوارية متوازنة تركز على خفض التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع.
وقد عبّر الجانب الروسي عن تقديره للدور الإماراتي، مؤكداً أهمية العلاقات الثنائية واتساع مجالات التعاون بين البلدين. وفي المقابل، ثمّن صاحب السمو رئيس الدولة التعاون الروسي في تسهيل جهود الوساطة الإماراتية، لا سيما في ملف تبادل الأسرى، مؤكداً اعتزازه بالعمل المشترك في هذا الجانب الإنساني، الذي يمثل مدخلاً مهماً لبناء الثقة وتهيئة الأجواء لأي تسوية سياسية محتملة.
ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، قادت دولة الإمارات جهوداً سياسية وإنسانية متواصلة هدفت إلى خفض التصعيد والدفع باتجاه حل سلمي واقعي، بعيداً عن منطق المواجهة. وقد أسفرت هذه الجهود عن نجاح 17 عملية تبادل للأسرى بين موسكو وكييف، كان آخرها في أغسطس/ آب الماضي، وأسفرت عن إطلاق آلاف الأسرى من الجانبين، في إنجاز إنساني وسياسي يعكس حجم الثقة التي تحظى بها الإمارات لدى أطراف النزاع.
ولا شك أن هذه الزيارة تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، كما تعكس توجهاً إماراتياً ثابتاً يقوم على الانخراط الإيجابي في القضايا الدولية الكبرى، والسعي إلى الإسهام في دعم الاستقرار العالمي من موقع الشراكة والمسؤولية. وهو نهج يوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الأخلاقية، ويؤكد أن الدبلوماسية الهادئة ما زالت قادرة على إحداث فرق حقيقي.
وهكذا تتجسد العلاقات الدولية عندما تُبنى على الصدق في التعامل والاحترام المتبادل والالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والعمل المشترك بما يحقق المصالح المشتركة. وفي عالم تزداد فيه هشاشة التوازنات الدولية، تظل دبلوماسية التوازن خياراً عقلانياً ومسؤولاً، قادراً على تجنيب العالم مزيداً من الأزمات والصراعات.
بهذا المعنى، تشكل زيارة صاحب السمو رئيس الدولة إلى موسكو رسالة سياسية واضحة مفادها أن دولة الإمارات العربية المتحدة ماضية في نهجها القائم على الدبلوماسية الهادئة، والانخراط المسؤول، والسعي إلى الإسهام في إدارة التحولات الدولية بروح عقلانية، توازن بين المصالح الوطنية والاعتبارات الدولية، وتؤمن بأن الاستقرار لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالحوار وبناء الثقة على المدى الطويل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى