الإطار التنسيقي والاختبار الصعب القادم

كتب محمد حسن الساعدي, في العرب:
الحفاظ على وحدة الإطار التنسيقي ليس خيارًا ثانويًا أمام القوى المنضوية تحت مظلته بل ضرورة وطنية لأن الانقسام سيعني إضعاف قدرة الحكومة على مواجهة الملفات الأمنية والاقتصادية.
يعيش العراق لحظة سياسية تاريخية قلقة؛ فرغم الحديث عن المشاركة السياسية خارج الانتماءات، يبدو أن وحدة “الإطار التنسيقي” أصبحت أكثر من مجرد تحالف انتخابي أو تفاهم مرحلي، بل غدت ركيزة أساسية لاستقرار النظام السياسي ومنع الانزلاق نحو فراغ قد يعيد إنتاج الأزمات.
هذا “الإطار التنسيقي”، الذي وُلد من رحم الحاجة إلى توحيد الموقف الشيعي، يواجه اليوم تحديات داخلية وخارجية تهدد تماسكه؛ فمن خلافات القيادات وتباين الرؤى حول إدارة الدولة، إلى ضغوط إقليمية ودولية لا تتوقف، جعلته يقف أحيانًا مترددًا تغلبه الحيرة أمام التحديات التي تواجهه كوجود سياسي أو كدور في تشكيل الحكومة والإمساك بزمام البلد.
وبالرغم من كل هذه التحديات، فإن الحفاظ على وحدة الإطار ليس خيارًا ثانويًا أمام القوى المنضوية تحت مظلته، بل ضرورة وطنية؛ لأن الانقسام سيعني إضعاف قدرة الحكومة على مواجهة الملفات الأمنية والاقتصادية، وسيترك الساحة مفتوحة أمام صراعات داخلية قد تعصف بما تحقق من استقرار نسبي. في المقابل، فإن إعادة صياغة التحالف وفق قواعد جديدة توازن بين المصالح وتستجيب لمتطلبات المرحلة قد تمنحه فرصة لتجديد نفسه وتأكيد حضوره كقوة سياسية واقعية قادرة على قيادة الدولة.
وحدة هذا التشكيل السياسي اليوم ليست مجرد شعار، بل امتحان حقيقي لإرادة القوى السياسية في تجاوز خلافاتها وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة؛ فالعراق بحاجة إلى تماسك سياسي بحجم التحديات، وهو أمام فرصة تاريخية ليثبت عمليًا أنه قادر على أن يكون صمام أمان، لا مصدر أزمة يضاف إلى ما هو موجود أصلًا.
من المنصف القول إن الإطار استطاع أن يقدّم نفسه كقوة قادرة على ملء الفراغ السياسي عبر التوصل إلى تفاهمات مع القوى الكردية والسنية ما سمح بتشكيل حكومة جديدة مستقرة نسبيًا
التحليل السياسي العميق لدور الإطار التنسيقي في تهدئة الساحة الداخلية يكشف عن طبيعة مزدوجة لهذا التحالف؛ فهو من جهة يمثل مظلة جامعة للقوى الشيعية التي وجدت نفسها أمام تخلخل سياسي بعد انسحاب التيار الصدري، ومن جهة أخرى يضطلع بمهمة إدارة التوازنات الوطنية مع المكونات الأخرى. فكان دور التهدئة الذي مارسه ضرورة ولم يكن خيارًا مترفًا، إذ إن استمرار الانقسام كان سيقود البلاد إلى أزمة دستورية وربما صراع مفتوح لا تُعرف نهاياته.
ومن المنصف القول إن الإطار استطاع أن يقدّم نفسه كقوة قادرة على ملء الفراغ السياسي، عبر التوصل إلى تفاهمات مع القوى الكردية والسنية، ما سمح بتشكيل حكومة جديدة مستقرة نسبيًا وتجنب تعطيل مؤسسات الدولة. هذه القدرة على التفاوض والتوافق كانت عاملًا أساسيًا في منع التصعيد الداخلي، خصوصًا في ظل التوترات التي أعقبت احتجاجات الشارع وضغوط القوى الإقليمية والدولية.
لكن من جانب آخر، فإن التهدئة التي وفرها الإطار ليست مستقرة بالكامل؛ فهي قائمة على توازن هش بين مكوناته التي ما زالت تختلف حول القيادة والمنهج السياسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأداء الحكومي المرتبط به يواجه انتقادات شعبية نتيجة ضعف الإنجاز في الملفات الاقتصادية، رغم تحسن نسبي في ملف الخدمات، ما يضعه أمام تحدي الحفاظ على شرعيته السياسية.
الولايات المتحدة تستخدم أدوات ضغط مالية واقتصادية، أبرزها ملف الدولار والمصارف، لتقييد حركة الحكومة العراقية، فيما يسعى الإطار إلى الحفاظ على استقلالية القرار السياسي دون الدخول في مواجهة مباشرة. في المقابل، يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن والعواصم الغربية لتجنب عزلة دولية قد تضعف موقع العراق في النظام العالمي.
هذا التوازن الدقيق يعكس إدراكًا بأن البلد لن يستطيع مواجهة تحدياته الاقتصادية والأمنية بمعزل عن المجتمع الدولي، لكنه في الوقت نفسه لا يرغب في أن يكون ساحة صراع بين القوى الكبرى. لذلك فإن الإطار التنسيقي أمام امتحان صعب آخر: هل يستطيع أن يحافظ على تهدئة الداخل ويوازن علاقاته الخارجية بما يضمن سيادة العراق؟ أم أن الضغوط المتزايدة ستعيد إنتاج أزمة جديدة؟
نجاح الإطار في هذه المعادلة سيحدد ليس فقط مستقبل الحكومة الحالية، بل أيضًا موقع العراق في الخارطة الدولية خلال السنوات المقبلة. كما أن بعض قادته لعبوا سابقًا دورًا محوريًا في تهدئة الساحة السياسية الداخلية والخارجية، لكنه ما زال أمام اختبار قادم صعب.
فهل سيتمكن من تحويل هذه التهدئة المؤقتة إلى استقرار طويل الأمد؟ أم أن خلافاته الداخلية وضغوط الشارع ستعيد إنتاج الأزمة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العملية السياسية في العراق خلال السنوات العشر المقبلة على الأقل.




