أبرزرأي

«الأسود»: تركيا تسهّل الاستراتيجية الأطلسية؟

محمد نور الدين – الأخبار:

تكشف التطورات المتسارعة في البحر الأسود وبحر قزوين عن اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة، من جهة، وروسيا وإيران، من جهة أخرى، فيما تجد تركيا نفسها أمام اختبار صعب بين الحفاظ على حيادها ومخاطر الانزلاق إلى الاستراتيجية الأطلسية الجديدة.

سُجّل، في الأيام الأخيرة، تطوّران لافتان على خطّ المواجهة الأميركية – الإيرانية، تَمثّل أوّلهما في فرض حكومة صنعاء حظراً على التجارة السعودية في البحر الأحمر، على نحوٍ حَوّل مضيق باب المندب إلى عامل إسناد لإيران – إلى جانب مضيق هرمز -، فيما تَجسّد ثانيهما في شنّ أوكرانيا هجوماً على سفينة تابعة لإيران في بحر قزوين في 25 تموز الماضي. وبحسب الكاتب محمد علي غولر في صحيفة «جمهورييات»، فإن هذا الحادث الأخير، الذي جاء بعد إقرار الولايات المتحدة باستئناف الدعم العسكري لأوكرانيا ضدّ روسيا – وفق ما ورد حرفياً في بيان قمة «الناتو» في أنقرة في 7 و8 تموز الماضي -، يندرج في إطار استراتيجية أميركية جديدة، قائمة على خلق «جبهة واسعة» لتفكيك التحالفات في غرب آسيا. وهي استراتيجية بدأت بفضّ الشراكة التي كانت قائمة بين روسيا وإيران وسوريا في «منصّة أستانا» – عقب سقوط النظام السوري السابق -، وانتقلت، في الصيف الماضي، إلى تسهيل إبرام أرمينيا وآذربيجان، برعاية أميركية، اتفاقية شقّ ممرّ «زنغيزور» وتسميته «ممرّ ترامب» – في ما فتح الباب أمام نفوذ أميركي كبير في جنوب القوقاز -، ولم تنتهِ بسعي الولايات المتحدة لتخريب العلاقات الروسية مع جورجيا بمحاولة ضمّ الأخيرة إلى حلف «الناتو»، والحصول على قاعدة أميركية على الأراضي الجورجية الواقعة على ساحل البحر الأسود.

وتضع مثل هذه التطوّرات تركيا في موقف حرج، فيما تحاول هي – سواء في البحر الأسود أو في بحر قزوين حيث يتمّ تفعيل السياسة الأطلسية الموجّهة ضدّ إيران وروسيا – أن تبقى على الحياد، خصوصاً أن إشعال البحرَين المذكورَين يجعلها في أتون النار. وإذا كان إغلاق باب المندب يؤذي الاقتصاد التركي، ويرفع أسعار النقليات المتّجِهة إلى تركيا، وهو ما يجعل من مصلحة الأخيرة بقاءه مفتوحاً، فإن صمت أنقرة على الهجوم الأوكراني على السفينة الإيرانية، يطرح علامات استفهام جدّية. في هذا الإطار، تعدّ صحيفة «صول» اليسارية الصمت التركي «نذير شؤم»، مبيّنة أن «الأسود» و«قزوين» مهمّان بالنسبة إلى تركيا، كونهما يتمتّعان بخصوصية قانونية تشمل الدول المشاطئة لهما، مضيفةً أن «قزوين» تَحكمه «اتفاقية أكتاو» لعام 2018 الموقّعة بين الدول الخمس المطلّة عليه – وهي آذربيجان وإيران وكازاخستان وروسيا وتركمانستان -، والتي تفرض قيوداً صارمة للحفاظ على الطبيعة السلمية للبحر، ومنها حظر استخدام أراضي هذه الدول أو مياهها لشنّ هجمات من قِبل أطراف غير مطلّة عليه.

وإذ تعدّ «اتفاقية أكتاو» أكثر وضوحاً من «اتفاقية مونترو» الخاصة بمضيقَي البوسفور والدردنيل، نظراً إلى أن «قزوين» بحر مُغلق تماماً، فإن الهجوم الأوكراني الأخير يُعدّ انتهاكاً لها؛ علماً أنه ليس الأول من نوعه، ففي 19 و20 تموز الماضي، تعرّضت ناقلتا نفط هناك لهجوم آخر من مُسيّرات مجهولة. وفي حين يمكن اعتبار هذه الهجمات تخريباً أوكرانياً للشراكة الروسية – الإيرانية عبر «قزوين»، فهي تمثّل محاولة من قِبل الولايات المتحدة لتحويل البحر المذكور إلى ساحة حرب جديدة تضغط على روسيا وإيران. وفي هذا السياق، كانت كازاخستان حادّة في ردّ فعلها ضدّ أوكرانيا؛ إذ إن هجمات الأخيرة أوقفت الأنشطة النفطية الكازاخستانية عبر روسيا، ومنها عبر البحر الأسود إلى العالم. والجدير ذكره، هنا، أنه في 17 تموز الماضي، تعرّضت ناقلة نفط روسية، كانت تنقل النفط الكازاخستاني المارّ من تركمانستان عبر بحر قزوين إلى ميناء نوفوروسيسكفي، لهجوم أوكراني في ميناء نوفوروسيسك.

إزاء ذلك، يرى مراقبون أن حلف «الناتو» لا يهدف إلى إلغاء اتفاقيات من مثل «مونترو» و«أكتاو»، ولكن إلى إفراغها من مضمونها، في حين تشير المصادر التركية إلى أن أنقرة أقنعت موسكو، عام 2022، بألّا تعزّز قواتها البحرية في البحر الأسود، بعدما أغلقت تركيا المضائق – وفقاً لـ«اتفاقية مونترو» – أمام السفن البحرية العسكرية التابعة لروسيا، وكلّ الدول الواقعة على «الأسود». لكنّ هذا الإجراء عنى المزيد من الإضعاف للبحرية الروسية، في مقابل وجود دول أطلسية مطلّة على «الأسود» من مثل بلغاريا ورومانيا، وأخرى محرِّضة كأوكرانيا، وبقاء تركيا الرابح الأكبر في موازين القوى هناك. ويعتقد البعض، هنا، أن أنقرة قد تكون أتاحت المجال لحلف «الناتو» لتوسيع نفوذه في «الأسود»، من طريق اتفاقيات بناء مراكز عسكرية تابعة للحلف في منطقة بايكوز عند المدخل الشمالي لمضيق البوسفور.
في ضوء الاستراتيجية الأطلسية الجديدة، يَظهر أن بحر قزوين يتحوّل تدريجياً إلى امتداد طبيعي للبحر الأسود، وهو ما تتحمّل تركيا مسؤولية كبيرة عنه، كونها التزمت الصمت عن هجمات أوكرانيا في بحر قزوين، وخاطرت بحيادها حيال حربَي روسيا وإيران، وبدأت تنزلق ربما نحو الانخراط في سياسات «الأطلسي» المعادية للأخيرتَين.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى