
كتب رئيس “المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع” الأستاذ عبد الهادي محفوظ:
يتجه المشهد الإقليمي إلى مزيد من التعقيد والتوتر، بحكم تشابك الأزمات وتداخلها، وبحكم الحروب الفرعية الناجمة عن الحرب الأميركية-الإيرانية. إضافة إلى لوحة الانقسامات الداخلية في الدوائر الثلاث: الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، كما في الدوائر الفرعية، سواء الخليجية أو العراقية أو السورية أو اللبنانية. وكل ذلك ينتج “شللًا” في اتخاذ القرار بالذهاب إلى الحرب أو إلى التفاوض.
والملاحظ أن المملكة العربية السعودية سعت طويلًا لأن تبقى خارج معادلة الحرب الأميركية-الإيرانية. بل “تفهّمت”، إلى حدود معيّنة في البداية، المبررات الإيرانية في قصف القاعدة الأميركية العسكرية في المملكة، واكتفت بسياسة الإدانة. إنما استُدرجت لاحقًا إلى مواجهة مع الحوثيين في اليمن، ومن ثم مع الحشد الشعبي في العراق، في عملية عسكرية جوية مع الطائرات الحربية الأميركية تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.
وفي التقدير أن الرياض لن تذهب إلى أبعد من ذلك، ولن تشارك الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الذي تعرف فيه سلفًا حدود “الحماية الأميركية”، بل وحتى شكوكها في هذه الحماية. ومعنى ذلك أن الرياض تلتقي وواشنطن على نقطة معيّنة، وهي المواجهة مع ما تسميه الإدارة الأميركية “أذرع إيران” في حال تعرّضها للمصالح السعودية. وهي “الأذرع” التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسرطان.
وبالتأكيد فإن هذا التحفّظ السعودي على الذهاب بعيدًا في الحرب لا يلقى استحسانًا أميركيًا. فما تريده واشنطن هو التورط السعودي، الذي هو المدخل الأساسي لجرّ دول الخليج مجتمعة إلى الحرب. وهذا احتمال ضعيف، خصوصًا وأن قطر وسلطنة عمان ترتكزان إلى معادلة العلاقة الجيدة بكل من واشنطن وطهران، وعلى دور الوساطة بين العاصمتين، وعلى البحث عن “مخرج سلمي” وتدوير الزوايا مع رجل باكستان القوي، قائد الجيش عاصم منير، الذي يلقى آذانًا صاغية لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي.
أما المعاناة الكبيرة حاليًا فهي لرئيس الحكومة العراقية الدكتور علي الزيدي، بعد الضربات الجوية الأميركية-السعودية داخل العراق، وخصوصًا وأن الرئيس دونالد ترامب أشار إلى موافقته المسبقة عليها لتوريطه. فما تريده واشنطن هو حصرية السلاح بيد الدولة العراقية، وأن يكون العراق “حائط صد” للنفوذ الإيراني. ومثل هذا التوجه الأميركي محرج لعلي الزيدي ولحكومته وللعلاقة داخل المكوّنات العراقية، ولكونه هو بالذات، في الأساس، نتاجًا لتقاطع أميركي-إيراني. ومشكلته أنه يلقى ضغوطًا مشتركة من واشنطن وطهران لحسم أي موقف يختاره. فهو عندما ذهب إلى إيران، بعد عودته من واشنطن، وقابل فيها كبار المسؤولين، وطالب بالسماح لناقلات النفط العراقية بالمرور في مضيق هرمز، آثرت طهران عدم تلبية طلبه، بل بالعكس وجّهت إليه سؤالًا: لماذا لا يُفرج عن عشرة مليارات دولار لإيران محتجزة في العراق؟ وكان جوابه غير مقنع للإيرانيين عندما فسّر الأمر بأن ذلك مربوط بعقوبات المقاطعة الدولية، ما يعني أن خيارات علي الزيدي صعبة جدًا، وخصوصًا في ظل افتقار العراق إلى دولة مركزية حقيقية.
واستطرادًا، فإن الوضع اللبناني في إحراجاته شبيه بالوضع العراقي. ذلك أن المشهد الإقليمي المعقّد حاليًا يمنح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هامشًا من المناورة اللبنانية، مستفيدًا من إرباكات المنطقة المستجدة، ما يعطيه فرصة لوضع الاستعصاءات أمام انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، والقيام بالمزيد من تدمير المنازل وجرف الأراضي. وهذا ما يتطلّب، لبنانيًا، استقرارًا داخليًا ومزيدًا من التفاهمات، والحرص على الثوابت اللبنانية التي طرحها الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون سقفًا للتفاوض، سواء في لبنان أو خلال لقائه والرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن. وهذه الثوابت شددت على الانسحاب العسكري الإسرائيلي الكامل من الجنوب اللبناني، وعلى السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، وعلى الوصول إلى حصرية السلاح والسلم الأهلي.
ولا يبالغ الرئيس اللبناني في معرفته بالدور التركي المطلوب أميركيًا في لبنان والمنطقة، باعتباره عاملًا إيجابيًا يتعارض كليًا مع الحسابات الإسرائيلية لبنانيًا. وهكذا فإن اللقاء بين الرئيسين جوزاف عون ونبيه بري يأتي في سياق قراءة المشهد الإقليمي وانعكاساته اللبنانية، وضرورات تهدئة التوترات الداخلية. وأهمية هذا اللقاء تكمن في كون الرئيس نبيه بري يملك جسورًا على كل المكوّنات في الداخل اللبناني، وعلى القوى الدولية والإقليمية، بما فيها واشنطن وطهران والرياض. من هنا قدرته على إيجاد المناخ المناسب لمواجهة ما يحيط بالمنطقة، ولبنان تحديدًا، عبر سياسة الأبواب المفتوحة وعدم الانجرار إلى حسابات خاطئة.




