افتتاحية اليوم: هجرة اليهود

أشارت دراسة إسرائيلية وزعت مؤخرا الى أن ربع اليهود يفكرون بالهجرة و10% من بينهم يخططون للمغادرة نهائيا، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن إسرائيل تقف عند مفترق طرق حساس؛ فالتفكير بالهجرة لم يعد هامشياً أو محصورًا في مجموعات صغيرة، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف والتحليل. هناك من يراها مؤشرًا على أزمة عميقة، وهناك من يتعامل معها كضغط طبيعي يصاحب أي مجتمع يمر بمرحلة تحول. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تستجيب الحكومة الإسرائيلية لهذه الإشارات أم تنزلق نحو اتساع الفجوة بين المواطنين ومؤسساتهم؟
تشير تقارير عدة نشرت في الآونة الأخيرة الى أنه تتصاعد في إسرائيل موجة لافتة من النقاشات الداخلية بعد بروز مؤشرات جديدة تكشف اتساع نطاق الرغبة في الهجرة بين اليهود، حيث عبر ما يقرب من ربعهم عن تفكير جدي في مغادرة البلاد، فيما أعلن نحو 10% منهم استعدادهم للشروع بخطوات عملية قد تنتهي بالرحيل النهائي. هذا التوجه، وإن لم يتحول بعد إلى حركة هجرة جماعية، يعكس عمق التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعصف بالمشهد الإسرائيلي، وتدل هذه النسب على شعور متزايد بعدم اليقين إزاء مستقبل ما كانوا يعتبرونها الدولة الآمنة بالنسبة لهم، في ظل تقاطع عوامل متعددة؛ أبرزها الانقسام السياسي الحاد، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتفاقم الأعباء الاقتصادية، فضلًا عن الحروب المتتالية التي تجدد باستمرار حالة القلق لديهم.
فمنذ سنوات، كانت الهجرة تطرح غالباً كخيار فردي أو ظرفي، لكن انتقالها اليوم إلى مساحة التفكير الجماعي الواسع يرفع منسوب التساؤلات حول قدرة إسرائيل على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتوازنها الديمغرافي والاقتصادي.
ويأتي هذا التحول في ظل انقسام سياسي عميق توصف حدته بأنها الأكبر منذ تأسيس الكيان. فالتباينات بين التيارات العلمانية والدينية، وبين اليمين والوسط واليسار، لم تعد خلافات سياسية عابرة، بل تحولت إلى صراع حول هوية إسرائيل واتجاه مستقبلها.
ويرى محللون أن شعور قطاعات واسعة من اليهود، خصوصًا من الفئات العلمانية والطبقة الوسطى المتعلمة، بأن الدولة تسير في مسار يتعارض مع تفكيرهم، مما يدفعهم للتفكير بالخروج إلى أماكن توفر استقرارا سياسيا أكبر ومساحة أوسع للحريات المدنية.
وعلى الرغم من تصدر العوامل السياسية للنقاش العام، إلا أن الاقتصاد يبقى المحرك الأكثر تأثيراً في قرارات الهجرة. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتضخم أسعار السكن إلى مستويات غير مسبوقة، واتساع الفجوات الاجتماعية، تجعل شريحة متزايدة من الشباب ترى مستقبلا ماليا أكثر أماناً خارج البلاد.
وعدا عن ذلك لم تتراجع الاعتبارات الأمنية عن دائرة التأثير، بل أصبحت أكثر حضوراً في ظل تجدد المواجهات واتساع نطاق التوترات على أكثر من جبهة من غزة الى لبنان فاليمن وايران. فالأجيال الشابة التي لم تعش الحروب الكبرى ولكن تعيش التهديدات اليومية باتت تنظر إلى “الأمان” بوصفه عاملا جوهريا في تحديد مكان الإقامة.




