أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: منطق الدولة محل الوصاية

تشير المواقف التي أطلقها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والتي قال فيها إن السلطة السورية الجديدة تعمل على طي صفحة التدخلات المتبادلة بين سوريا ولبنان، إلى تحول سياسي يتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية، ليعكس توجهاً يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عما كان سائداً خلال العقود الماضية.

فالحديث عن إنهاء مرحلة التدخلات يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن العلاقات اللبنانية ـ السورية عانت طويلاً من تشابكات سياسية وأمنية جعلت كل طرف يتأثر بصورة مباشرة بما يجري لدى الآخر، وهو واقع ترك آثاراً عميقة على الحياة السياسية في البلدين، وأصبح موضع جدل دائم داخل لبنان، كما شكّل أحد أبرز الملفات الحساسة في العلاقات الثنائية.

اليوم، تبدو دمشق حريصة على تقديم صورة جديدة تقوم على احترام سيادة الدول، وتعزيز التعاون في الملفات المشتركة، بعيداً عن منطق النفوذ أو إدارة التوازنات الداخلية، ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث تتقدم أولويات إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي والتعاون الأمني على حساب الصراعات التقليدية.

وفي المقابل، ينظر لبنان إلى هذه الرسائل بكثير من الاهتمام، نظراً لما يربط البلدين من حدود جغرافية، ومصالح اقتصادية، وتشابكات اجتماعية يصعب تجاوزها. فملفات ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتنظيم حركة العبور، وعودة النازحين السوريين، والتبادل التجاري، كلها قضايا تحتاج إلى مستوى عالٍ من التنسيق الرسمي، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي لطالما عطلت الوصول إلى حلول عملية.

كما أن تأكيد الوزير الشيباني الانفتاح على التعاطي مع جميع الأطراف اللبنانية يعكس محاولة لتكريس سياسة تقوم على التواصل مع الدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها وقواها السياسية، بما يخفف من الانطباع الذي ساد في مراحل سابقة بأن دمشق تراهن على فريق دون آخر، أو تنخرط في تفاصيل الاصطفافات الداخلية.

غير أن ترجمة هذه المواقف إلى واقع عملي ستبقى مرتبطة بخطوات ملموسة تعزز الثقة بين الجانبين. فالعلاقات اللبنانية السورية تحمل إرثاً ثقيلاً من التعقيدات السياسية والأمنية، ولا يمكن تجاوز هذا الإرث بمجرد إعلان النيات، بل عبر بناء آليات تعاون شفافة ومستقرة تحترم استقلالية القرار الوطني في كل من بيروت ودمشق.

كما أن هذا الخطاب ينسجم مع مسار أوسع تشهده المنطقة، يقوم على إعادة ترتيب العلاقات بين الدول وفق المصالح المشتركة، وتغليب منطق الحوار على المواجهة. ومن هنا، فإن أي نجاح في تطوير العلاقة اللبنانية السورية سيكون جزءاً من مشهد إقليمي يسعى إلى تثبيت الاستقرار وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني.

ويبقى التحدي الأساسي أمام الطرفين هو الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الأفعال. فإذا نجحت دمشق وبيروت في بناء علاقة متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن ذلك قد يؤسس لمرحلة جديدة تختلف جذرياً عن تجارب الماضي، وتمنح البلدين فرصة لمعالجة الملفات العالقة بروح الشراكة، لا بمنطق الوصاية أو الخصومة، بما يخدم مصالح الشعبين، ويكرس علاقات طبيعية بين دولتين جارتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ، وتفرض عليهما ضرورات التعاون.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى