افتتاحية اليوم: مخاوف من انفجار داخلي

في مشهد يعيد إلى الأذهان أحلك مراحل المواجهة، شهد لبنان تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق، تمثّل في تنفيذ نحو 130 غارة إسرائيلية طالت مناطق متعددة، في رسالة واضحة بأن وتيرة العمليات مرشحة للارتفاع، وأن ما يجري ليس مجرد ضغط عسكري عابر، بل جزء من مسار تصعيدي مفتوح على احتمالات خطيرة.
هذا التصعيد الكثيف يعكس تحولًا في طبيعة المواجهة، حيث لم تعد الضربات محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل باتت تمتد إلى عمق أكبر، ما يضع لبنان بكامله في دائرة الخطر.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه لبنان أصلًا من هشاشة داخلية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل أي تصعيد عسكري بمثابة عامل مضاعف للأزمات.
والأخطر في هذا المشهد لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتجاوزه إلى البعد الداخلي، حيث تتزايد المخاوف من أن يكون الهدف غير المعلن هو دفع لبنان نحو حالة من التوتر الداخلي، وربما الفتنة.
فالتاريخ القريب يثبت أن الضغوط الخارجية غالبًا ما تتقاطع مع الانقسامات الداخلية، لتنتج واقعًا أكثر تعقيدًا وخطورة.
وفي هذا السياق، يبرز القلق من أن تؤدي الضربات المتواصلة إلى خلق حالة من الاحتقان بين المكونات اللبنانية، خصوصًا إذا ما ترافقت مع حملات سياسية وإعلامية تستثمر في الألم والخسائر، وتعيد إنتاج خطاب الانقسام.
وهنا يكمن جوهر الخطر، إذ إن أي اهتزاز في السلم الأهلي قد يفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها.
وفي المقابل، تبدو الساحة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود. فإما أن تنجح القوى السياسية في تحييد الداخل عن تداعيات المواجهة عبر خطاب عقلاني ومسؤول، وإما أن تنزلق البلاد إلى مسار خطير يعيدها إلى دوامات الصراع الداخلي.
إن المؤشرات المتوافرة حتى الآن توحي بأن “حبل التصعيد على الجرّار”، وأن هذا التصعيد قد يستمر بوتيرة متصاعدة، ما لم تطرأ معطيات إقليمية أو دولية تفرض إيقاعًا مختلفًا.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الرهان الأساسي على وعي اللبنانيين، وقدرتهم على تفويت الفرصة على أي مخطط يستهدف وحدتهم.
لا شك أن لبنان اليوم يقف على حافة مرحلة دقيقة، حيث تتداخل النيران العسكرية مع احتمالات الانفجار الداخلي. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح اللبنانيون في حماية جبهتهم الداخلية، أم أن رياح التصعيد ستقود البلاد إلى منعطف أكثر خطورة؟




