افتتاحية اليوم: لقاء واشنطن يكشف عمق الهوة

في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، شهدت العاصمة الأميركية واشنطن اجتماعاً مباشراً جمع سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض بالسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في محاولة لفتح نافذة تفاوض بين بلدين يعيشان على إيقاع مواجهات مفتوحة.
اللقاء، رغم طابعه الدبلوماسي، حمل في طياته أبعاداً سياسية وأمنية عميقة، عكست حجم التعقيدات التي تحيط بأي مسار تفاوضي محتمل.
هذا الاجتماع لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الميداني الملتهب، حيث لا تزال المواجهات قائمة، ما يجعل من أي حوار سياسي خطوة محفوفة بالحذر.
صحيح أن انعقاد اللقاء يشير إلى رغبة عربية ودولية، تقودها واشنطن، في اختبار فرص التهدئة، ولو في حدها الأدنى، عبر فتح قنوات اتصال مباشرة بدل الاكتفاء بالوساطات غير المباشرة، لكن الطرح اللبناني خلال الاجتماع ارتكز على أولوية واضحة: وقف فوري لإطلاق النار كمدخل إلزامي لأي تفاوض جدي.
هذا الموقف يعكس قناعة بأن الاستمرار في ظل العمليات العسكرية يُفقد الحوار جدواه ويضعف فرص الوصول إلى تفاهمات قابلة للتطبيق. في المقابل، جاء الطرح الإسرائيلي مختلفاً في الجوهر، إذ ركّز على ضرورة معالجة ما تعتبره تهديدات أمنية، وفي مقدمها مسألة سلاح حزب الله، ما يعني أن تل أبيب تسعى إلى ربط أي تهدئة بإجراءات استراتيجية طويلة الأمد.
هذا التباين في الأولويات حوّل اللقاء إلى مساحة لعرض الشروط أكثر منه ساحة لإنتاج حلول فورية. فلبنان يسعى إلى تثبيت وقف النار كقاعدة انطلاق، فيما تحاول إسرائيل استخدام المفاوضات لفرض معادلة جديدة تعيد رسم التوازنات على الحدود.
وبين هذين الموقفين، تبدو المسافة السياسية واسعة، ما يعكس صعوبة الانتقال من مرحلة الاشتباك إلى مرحلة التسوية. والدور الأميركي، الذي تجسّد بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو، بدا محورياً في إدارة هذا اللقاء، حيث تحاول واشنطن، ولو ظاهرياً، دفع الطرفين نحو مسار تفاوضي تدريجي يقوم على خطوات متبادلة، تبدأ بتهدئة ميدانية وتنتقل لاحقاً إلى بحث القضايا الأكثر تعقيداً.
إلا أن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بمدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات، وهو أمر لا تزال مؤشراته محدودة حتى الآن.
حيال هذا الاختلاف الجوهري في الموقفين اللبناني والإسرائيلي، يمكن القول إن اجتماع واشنطن شكّل نوعاً من كسرٍ لحاجز الجمود، لكنه لم ينجح في كسر معادلة الصراع.
فالمفاوضات، إن استمرت، ستبقى محكومة بصراع الإرادات بين من يريد وقف النار أولاً، ومن يسعى إلى فرض شروط ما بعد الحرب. وبين هذا وذاك، تبقى النتائج مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار ما ستفرضه التطورات على الأرض من وقائع جديدة.



