افتتاحية اليوم: لقاء ترامب – عون مفصلي

تجري التحضيرات على قدم وساق في بيروت وواشنطن لزيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى البيت الأبيض، في محطة سياسية يُنتظر أن تشكّل نقطة تحوّل في مسار العلاقات اللبنانية – الأميركية، وأن ترسم ملامح المرحلة المقبلة على أكثر من مستوى، في ظل التحوّلات الإقليمية المتسارعة والضغوط الدولية المتزايدة لإعادة تثبيت الاستقرار في لبنان.
وتكتسب الزيارة، المتوقع تحديد موعدها خلال شهر تموز المقبل، أهمية استثنائية، لكونها تأتي في لحظة دقيقة يمرّ بها لبنان والمنطقة، حيث تتقاطع ملفات وقف إطلاق النار في الجنوب، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، مع الاستحقاق الكبير المتعلق بإعادة الإعمار.
وتشير الأجواء المحيطة بالتحضيرات إلى أن الاتصالات اللبنانية – الأميركية دخلت مرحلة متقدمة، مع وجود رغبة متبادلة في استثمار الزخم السياسي الذي أعقب انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة الجديدة، بما يتيح الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء تفاهمات استراتيجية أكثر استقراراً.
وبحسب المعطيات السياسية المتوافرة، فإن الجانب اللبناني يعمل على إعداد ورقة متكاملة تتضمن أولويات واضحة سيتم عرضها خلال اللقاء المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائية، والضغط على إسرائيل لاستكمال انسحابها من النقاط التي لا تزال تحتلها، وتأمين ضمانات دولية تحول دون تجدّد المواجهات العسكرية. كما ستشمل الورقة ملف إعادة الإعمار، وتوفير الدعم اللازم للمؤسسات الأمنية والعسكرية، وفي طليعتها الجيش اللبناني، إلى جانب حشد المساندة الدولية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.
في المقابل، يدرك لبنان أن واشنطن تحمل بدورها مجموعة من الأولويات، تتصدرها مسألة تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر القرار الأمني والعسكري بمؤسساتها الشرعية، إضافة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات المالية والإدارية، وتعزيز الرقابة على الحدود، بما ينسجم مع الرؤية الأميركية لاستقرار لبنان.
وتؤكد أوساط سياسية لبنانية أن الزيارة لا تندرج ضمن إطار بروتوكولي أو رمزي، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة العهد الجديد على ترجمة الدعم الدولي إلى مكاسب ملموسة. فواشنطن تنظر إلى الرئيس عون بوصفه شريكاً قادراً على قيادة مرحلة استعادة الدولة لدورها ومؤسساتها، فيما يعوّل لبنان على الدور الأميركي في توفير شبكة أمان سياسية واقتصادية تساعده على تجاوز أزماته المتراكمة.
غير أن نجاح الزيارة لن يُقاس فقط بحجم الحفاوة السياسية أو بالبيانات المشتركة، بل بقدرة الجانبين على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ. فلبنان يحتاج اليوم إلى ضمانات واضحة، وإلى دعم اقتصادي وأمني مستدام، فيما تحتاج الولايات المتحدة إلى شريك لبناني قادر على تثبيت الاستقرار وترسيخ سلطة الدولة.
وعليه، فإن تموز المقبل قد يحمل أكثر من زيارة رئاسية إلى البيت الأبيض؛ إنه موعد مفصلي قد يرسم ملامح العلاقة اللبنانية – الأميركية لسنوات مقبلة، ويحدد، إلى حد بعيد، موقع لبنان في خريطة التوازنات الإقليمية الجديدة.




