أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: سموم الفتنة على الشاشات

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة مجرد مساحة للتعبير عن الرأي أو تبادل الأفكار، بل تحوّل بعضها في لبنان، خلال الفترة الأخيرة، إلى منصات خطيرة لبثّ الكراهية والتحريض الطائفي، عبر نشر صور وعبارات مسيئة لرموز دينية ووطنية، وإطلاق حملات منظمة أو فردية تستهدف إثارة العصبيات وشحن النفوس، وإعادة إحياء لغة الانقسام التي دفع اللبنانيون أثمانها الباهظة خلال سنوات الحرب الأهلية.

هذه الظاهرة لم تعد تفصيلاً عابراً يمكن التعامل معه بخفة أو تجاهل، لأنها تضرب في العمق فكرة العيش المشترك، وتفتح الباب أمام مناخات مشحونة تهدد السلم الأهلي في بلد لا يزال يعيش على وقع أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة.

فالكلمة التحريضية، مهما بدت للبعض مجرد “منشور إلكتروني”، قد تتحول، في لحظة توتر، إلى شرارة تشعل الشارع، خصوصاً في مجتمع متعدد الطوائف والانتماءات والحساسيات مثل لبنان.

والأخطر أن بعض المتورطين في هذه الحملات يتعاملون مع الفضاء الإلكتروني كأنه مساحة خارجة عن القانون، فيتمادون في الإساءة والتجريح وإهانة الرموز الدينية والوطنية، غير مدركين أن ما ينشرونه لا يبقى حبيس الشاشة، بل يترك آثاراً نفسية واجتماعية خطيرة، ويؤدي إلى توتير العلاقات بين أبناء الوطن الواحد، كما أن التمادي في هذا السلوك يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويشجع آخرين على تقليد هذا الخطاب العدائي.

لقد اختبر اللبنانيون مرارة الفتنة بكل وجوهها، وعاشوا سنوات طويلة من الدم والانقسام والتهجير والدمار. لذلك، فإن اللعب على الوتر الطائفي اليوم، مهما كانت الذرائع أو الخلفيات، يشكل مغامرة خطيرة بمصير البلاد واستقرارها. فلبنان لا يحتمل العودة إلى لغة المتاريس النفسية والسياسية، ولا إلى إعادة إنتاج خطاب الكراهية الذي مزّق المجتمع وأضعف الدولة لعقود.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك حاسم من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية لملاحقة كل من يثبت تورطه في نشر التحريض والإساءات وإثارة النعرات المذهبية، لأن التساهل مع هذه الأفعال يشكل رسالة سلبية تشجع على التمادي. فحماية حرية التعبير لا تعني السماح بالإهانة والتحريض والمسّ بالسلم الأهلي، بل إن الحرية الحقيقية ترتبط بالمسؤولية واحترام الآخر، وعدم تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات للفتنة.

كما أن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل تشمل أيضاً القوى السياسية والدينية والإعلامية، إضافة إلى المواطنين أنفسهم، الذين يفترض أن يتحلوا بالوعي الكافي لعدم الانجرار خلف الحملات المشبوهة أو إعادة نشر المواد التحريضية، لأن بعض الجهات تراهن أساساً على ردود الفعل الغاضبة لتوسيع دائرة التوتر والانقسام.

لا شك أن لبنان اليوم بحاجة إلى خطاب تهدئة، لا إلى خطابات تعبئة، وإلى تعزيز منطق الدولة والقانون، لا منطق الغرائز والانفعالات. فالسلم الأهلي ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل هو الضمانة الوحيدة لبقاء الوطن وحماية أبنائه من السقوط مجدداً في فخ الفتنة، الذي لا يربح فيه أحد، ويخسر فيه الجميع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى