افتتاحية اليوم: سقف الرئاسة العالي

مع اقتراب موعد الزيارة الرسمية التي سيقوم بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن في الحادي والعشرين من الشهر الحالي، بدا واضحًا أن الخطاب الرئاسي دخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع السقف السياسي، سواء في مقاربة الملفات الداخلية الحساسة أو في توجيه الرسائل إلى العواصم المؤثرة في الملف اللبناني. فالزيارة المرتقبة إلى واشنطن لا يُنظر إليها باعتبارها محطة بروتوكولية، بل باعتبارها اختبارًا سياسيًا يحدد موقع لبنان في مرحلة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع الضغوط الدولية والاستحقاقات الداخلية.
لقد حملت مواقف الرئيس عون، أمس، أبعادًا تتجاوز مضمونها المباشر، فحديثه عن مستقبل قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، وإعلانه عزمه المطالبة بتمديد ولايتها أو البحث عن بديل يحفظ الاستقرار، يعكس إدراكًا رسميًا بأن الجنوب يقف أمام مرحلة دقيقة وخطيرة.
وفي المقابل، شدد رئيس الجمهورية على ضرورة منح “اتفاق الإطار” فرصة كاملة، باعتباره المسار الوحيد القادر على منع الانزلاق نحو مواجهة جديدة، محذرًا من محاولات إفشاله، سواء عبر التصعيد الإسرائيلي أو من خلال تشابك الحسابات الإقليمية. وفي هذا الإطار، جاءت إشاراته إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يسعى دائمًا إلى خلط الأوراق، بالتوازي مع اتهامه إيران بدور مماثل، لتؤكد أن الرئاسة اللبنانية تنظر إلى الأزمة من زاوية أوسع تتجاوز حدود الاشتباك العسكري إلى صراع الإرادات والنفوذ في المنطقة.
غير أن الرسالة الأكثر وضوحًا جاءت في مقاربته لملف سلاح “حزب الله”، فإعلانه أن المشكلة ستبقى قائمة “طالما أن خيار الحزب هو إيراني”، وأن الحل يبدأ عندما يصبح “خيار الحزب لبنانيًا”، يمثل انتقالًا من لغة العموميات إلى خطاب سياسي مباشر يربط مستقبل الاستقرار اللبناني باستقلال القرار الوطني، وهي مقاربة تعكس توجهًا رئاسيًا يقوم على أن أي معالجة مستدامة للأزمة لا يمكن أن تتم من خلال التوازنات العسكرية وحدها، بل عبر إعادة تكريس مرجعية الدولة في القرارين الأمني والسياسي.
ويقرأ كثيرون هذه المواقف باعتبارها جزءًا من التحضير السياسي للقاءات واشنطن، حيث يسعى الرئيس عون إلى إظهار التزام لبنان بخيار الدولة وبالقرارات الدولية، مع التأكيد، في الوقت نفسه، أن تطبيق أي تفاهم يحتاج إلى ضمانات متبادلة، تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة، ولا تنتهي بتوفير مظلة دولية تحمي الاستقرار وتدعم مؤسسات الدولة.
وتشير المعطيات إلى أن الإدارة الأميركية ستولي اهتمامًا خاصًا بما سيطرحه الرئيس اللبناني، ولا سيما فيما يتعلق بمستقبل الجنوب، ودور القوات الدولية، وآليات تثبيت اتفاق الإطار، إضافة إلى ملف إعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية. ولذلك، فإن الزيارة تحمل رهانات تتجاوز العلاقات الثنائية، لتصبح جزءًا من رسم صورة لبنان في المرحلة المقبلة.
من هنا، يبدو أن رئيس الجمهورية اختار الدخول إلى واشنطن بخطاب واضح المعالم، عنوانه أن لبنان يريد استعادة قراره الوطني، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بقيام دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، بعيدًا عن أي ارتباطات خارجية.




