افتتاحية اليوم: رسالة تكريس الدعم

لم يكن انتقال مسار المفاوضات الخاصة بالملف اللبناني من الولايات المتحدة إلى العاصمة الإيطالية، روما، مجرد تبديل جغرافي لمكان انعقاد الاجتماعات، بل حمل في طياته رسائل سياسية ودبلوماسية متعددة الاتجاهات، سعى السفير الأميركي ميشال عيسى إلى توضيحها خلال جولته أمس على المسؤولين اللبنانيين، في محاولة لقطع الطريق أمام أي تأويلات تربط تغيير مكان التفاوض بتراجع الاهتمام الأميركي بلبنان أو بإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية على حسابه.
فالمرحلة الحالية تشهد تعقيدات متسارعة في المنطقة، الأمر الذي يجعل أي تحرك دبلوماسي أميركي محاطًا بقراءات سياسية تتجاوز، في كثير من الأحيان، الوقائع التقنية والتنظيمية، لذلك حاول السفير عيسى، في جولته، أن يطمئن من التقاهم إلى أن نقل المفاوضات إلى روما لا يعكس تبدلًا في السياسة الأميركية، بل يندرج ضمن اعتبارات لوجستية وسياسية تهدف إلى توفير ظروف أكثر ملاءمة لاستمرار الاتصالات وإبقائها بمنأى عن الضغوط الإعلامية والسياسية التي ترافق انعقادها في واشنطن.
تدرك الإدارة الأميركية أن لبنان يقف اليوم عند مفترق حساس، حيث تتداخل الاستحقاقات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والإصلاحية، فيما يبقى الجنوب في قلب الاهتمام الدولي بفعل استمرار التوتر مع إسرائيل، والحاجة إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق نحو مواجهة واسعة. ومن هذا المنطلق، فإن الإصرار الأميركي على متابعة المفاوضات، مهما تغيرت عناوينها أو أماكن انعقادها، يعكس اقتناعًا بأن استقرار لبنان يشكل جزءًا أساسيًا من منظومة الاستقرار الإقليمي.
كما أن اختيار روما لا يخلو من دلالات سياسية، فإيطاليا تعد من أكثر الدول الأوروبية انخراطًا في الملف اللبناني، سواء من خلال مشاركتها الفاعلة في قوات “اليونيفيل”، أو عبر علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف اللبنانية، ما يمنحها هامشًا يساعد على توفير بيئة أكثر هدوءًا للحوار، ويعزز التنسيق بين الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين في مقاربة التطورات اللبنانية.
في المقابل، تلقفت، أمس، الأوساط اللبنانية الرسائل الأميركية باعتبارها مؤشرًا إلى استمرار الاهتمام الدولي بلبنان، خصوصًا في ظل المخاوف من أن تؤدي الأزمات العالمية المتلاحقة إلى تراجع حضوره على جدول الأولويات الدولية. فجولة السفير الأميركي حملت تطمينات بأن واشنطن لا تزال تعتبر لبنان جزءًا من حساباتها الاستراتيجية في شرق المتوسط، وأنها ماضية في دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز الاستقرار الأمني، وتشجيع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية.
لكن هذه الرسائل، على أهميتها، لا تعني أن الطريق أصبح معبدًا أمام الحلول، فالولايات المتحدة، كسائر الدول المعنية، تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها اختبارًا لقدرة اللبنانيين على استثمار الدعم الدولي في إنتاج تسويات داخلية، بدلًا من انتظار مبادرات خارجية تتولى حل أزماتهم.
وعليه، تبدو روما اليوم أكثر من مجرد مدينة تستضيف جولات تفاوض، إنها محطة جديدة في مسار دبلوماسي يسعى إلى إبقاء لبنان ضمن دائرة الاهتمام الدولي، وإلى تأكيد أن تبدل الأمكنة لا يعني تبدل السياسات، وأن واشنطن، رغم انشغالاتها الإقليمية والدولية، لا تزال ترى في استقرار لبنان مصلحة تتجاوز حدوده، لما يمثله من عنصر توازن في منطقة تعيش على إيقاع تحولات متسارعة وصراعات مفتوحة على مختلف الاحتمالات.




