أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: رسائل بالنار… لدفع “اليونيفيل” للانسحاب

لم يعد استهداف قوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان حدثاً عابراً يمكن إدراجه ضمن أخطاء العمليات العسكرية، بل تحوّل إلى ظاهرة متكرّرة تطرح تساؤلات جدّية حول خلفياتها وأهدافها الحقيقية. فهذه القوات، التي وُجدت أساساً لضبط التوتر ومراقبة وقف الأعمال العدائية، تجد نفسها اليوم في قلب دائرة الاستهداف، ما يعكس تحوّلاً لافتاً في طبيعة الصراع الدائر في الجنوب.

في القراءة الميدانية، يصعب عزل هذه الحوادث عن التصعيد العسكري الإسرائيلي الواسع الذي يطال مختلف البنى العسكرية والمدنية. هذا التمدّد في نطاق العمليات يشير إلى محاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك، بحيث لم تعد أي جهة بمنأى عن الاستهداف، بما فيها القوات الدولية. وفي هذا السياق، يبدو أن وجود “اليونيفيل” لم يعد يشكّل خطاً أحمر كما كان في مراحل سابقة.

أما سياسياً، فإن الرسائل تبدو أكثر عمقاً، فـ”اليونيفيل” التي فقدت أمس ثلاثة من عناصرها، إضافةً إلى جرح أربعة آخرين، تمثّل رمزاً للحضور الدولي في الجنوب، ووجودها يفرض نوعاً من الرقابة غير المباشرة على مسار العمليات العسكرية، وبالتالي فإن تعريضها للخطر قد يكون وسيلة ضغط لدفعها إلى تقليص دورها أو إعادة انتشارها، وربما حتى الانسحاب التدريجي.

إن مثل هذا السيناريو، إن تحقق، سيمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك العسكري بعيداً عن أي قيود أو مراقبة دولية.

في المقابل، يضع هذا الواقع الدول المشاركة في “اليونيفيل” أمام معضلة حقيقية، فاستمرار المهمة في بيئة أمنية شديدة الخطورة يرفع من كلفة البقاء، سواء على المستوى البشري أو السياسي. ومع تكرار الحوادث، قد تجد بعض الدول نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في مشاركتها، ما يهدد بتآكل تدريجي في عديد هذه القوات وفعاليتها.

إن تكرار الاستهداف، وتوقيته المتزامن مع تصعيد واسع، يقلّص من وزن هذه الفرضية، ويعزّز الاعتقاد بأن هناك توجهاً متعمداً لإعادة رسم دور “اليونيفيل” أو تقليصه.

لكن الأخطر في هذا المسار أن أي إضعاف لهذه القوات لن يكون مجرد تفصيل تقني، بل سيشكّل تحوّلاً استراتيجياً في ميزان الجنوب. فغيابها أو انكفاؤها يعني عملياً سقوط أحد أبرز عناصر التوازن، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد أكثر انفلاتاً، ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة لا تحكمها ضوابط.

في ضوء ما تقدّم، يبقى الثابت أن هذه القوات باتت أمام اختبار صعب، وأن وجودها نفسه أصبح موضع تساؤل في خضم تصعيد إسرائيلي غير مسبوق.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى