أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: حين تُصبح الكاميرا هدفًا

لم يعد استهداف الصحافيين في الحروب حدثًا عابرًا يمكن تبريره أو وضعه في خانة الأخطاء غير المقصودة، بل بات مؤشرًا مقلقًا على تحوّل عميق في طبيعة الصراعات الحديثة. ومع سقوط الصحافي علي شعيب والصحافية فاطمة فتوني أثناء تغطيتهما الميدانية، تتكرّس معادلة خطيرة مفادها أن نقل الحقيقة قد يكلّف الحياة.

في مشهد الحرب الدائرة، لم يعد الصحافي مجرد ناقل للحدث، بل أصبح شاهدًا مزعجًا على ما يجري، خصوصًا حين تنقل عدسته صورًا تتناقض مع الروايات الرسمية أو تكشف كلفة العمليات العسكرية على المدنيين. من هنا، يتحول الإعلامي إلى هدف غير مرغوب فيه، لأن وجوده بحد ذاته يهدد السيطرة على السردية.

الاستهداف المتكرر لفرق إعلامية، رغم وضوح هويتها وارتدائها ما يميزها كصحافة، يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه العمليات. فحين تُقصف سيارات تحمل شعارات إعلامية، أو تُستهدف مواقع معروفة بوجود الصحافيين فيها، يصبح من الصعب تصنيف ما يحدث ضمن إطار “الخطأ”، بل يبدو أقرب إلى سياسة ردع تهدف إلى إبعاد الكاميرا عن خطوط النار.

الأخطر من ذلك أن هذه الاعتداءات لا تُقابل بردع فعلي، فغياب المحاسبة الدولية الجدية يفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات الإسرائيلية، ويمنح رسالة ضمنية بأن استهداف الصحافيين يمكن أن يمر من دون تبعات. وهنا، تتحول الحماية القانونية إلى نصوص عاجزة عن حماية من يفترض أنهم مدنيون يؤدون مهمة إنسانية.

في العمق، المسألة تتجاوز الأفراد إلى جوهر الحق في المعرفة. فكل صحافي يُقتل هو قصة تُدفن، وصورة لا تصل، وحقيقة تُحجب. ومع كل استهداف، يضيق هامش الشفافية، وتتسع مساحة التضليل، ما يجعل الرأي العام أسير روايات أحادية.

ورغم ذلك، يستمر الصحافيون في أداء دورهم، مدفوعين بإيمانهم بأن نقل الحقيقة واجب لا يمكن التراجع عنه. لكن هذا الإصرار يصطدم بواقع دموي يجعل من الميدان مساحة محفوفة بالمخاطر، حيث لا خطوط فاصلة بين العمل المهني وخطر الموت.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى سيبقى الصحافي هدفًا؟ سؤال مفتوح على احتمالات قاتمة، ما لم تتغير قواعد الاشتباك ويُعاد الاعتبار لحرمة العمل الإعلامي. وحتى ذلك الحين، سيظل الصحافي يمشي على حافة الخطر، يحمل الكاميرا كأداة توثيق… وكأنها، في الوقت نفسه، هدف معلّق على صدره.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى