أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: حلم ترامب.. ونفط العالم

منذ عودته إلى واجهة المشهد السياسي، يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاربة صريحة للعلاقات الدولية تقوم على مبدأ “المصلحة أولاً”، حيث تتقدم الحسابات الاقتصادية على ما عداها من اعتبارات دبلوماسية أو أخلاقية. وفي صلب هذه الرؤية، يبرز النفط كعنصر محوري في فهم الكثير من مواقفه وخياراته، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى من العالم.

لا ينظر ترامب إلى الطاقة بوصفها مجرد مورد اقتصادي، بل كأداة نفوذ استراتيجي قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى العالمية. فمن خلال التحكم بمصادر النفط، أو التأثير على تدفقه وأسعاره، يمكن لأي دولة أن تعزز موقعها السياسي وتفرض شروطها على خصومها وحلفائها على حد سواء.

من هنا، يمكن قراءة اندفاعه نحو إعادة رسم سياسات الولايات المتحدة في مناطق غنية بالطاقة، ومحاولته تقليص اعتماد بلاده على الخارج، بالتوازي مع السعي للهيمنة على مفاصل الإنتاج والتوزيع. في هذا السياق، تبدو بعض سياسات ترامب وكأنها امتداد لفكرة “اقتصاد القوة”، حيث تصبح الحروب أو الضغوط القصوى وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية واضحة، وهذا ما رأيناه في فنزويلا، ونراه اليوم في الحرب على إيران.

فالضغط على دول منتجة للنفط، أو فرض عقوبات على أخرى، أو حتى الوصول إلى حد خوض الحروب، كلها أدوات تدخل ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة ضبط سوق الطاقة بما يخدم المصالح الأميركية. وهذه المقاربة تعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية ربطت بين النزاعات الدولية والسيطرة على الموارد الطبيعية.

غير أن هذه الرؤية لا تخلو من تعقيدات، فالسعي للهيمنة على النفط العالمي يصطدم بواقع متعدد الأقطاب، حيث تتنافس قوى كبرى وإقليمية على النفوذ في مناطق الإنتاج، ما يجعل أي محاولة للسيطرة الكاملة أمراً بالغ الصعوبة. كما أن التحولات في سوق الطاقة، مع صعود البدائل المتجددة، تفرض تحديات إضافية على أي استراتيجية قائمة حصراً على النفط.

إلى جانب ذلك، تثير هذه السياسات تساؤلات حول كلفتها السياسية والإنسانية، إذ إن ربط الحروب بالمصالح الاقتصادية يعمّق الأزمات ويطيل أمد النزاعات، ما ينعكس سلباً على الاستقرار العالمي. وفي هذا الإطار، يصبح النفط ليس فقط محركاً للاقتصاد، بل عاملاً مؤججاً للصراعات.

حيال ما تقدم، تعكس مقاربة ترامب للعالم تحولاً في فهم الدور الأميركي، من قيادة قائمة على التحالفات إلى نهج يضع الاقتصاد في صدارة الأولويات. وبين طموح السيطرة على الطاقة وحدود الواقع الدولي، تبقى النتيجة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة تشكيل النظام العالمي أو الانزلاق إلى مزيد من التوترات.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى