افتتاحية اليوم: توتر عالٍ بين “التيار” و”القوات”

يعود ملف الكهرباء ليتصدر واجهة الصراع السياسي الداخلي، هذه المرة عبر توترٍ عالٍ بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، في مشهدٍ يعكس عمق الانقسام السياسي حول واحدٍ من أكثر الملفات استنزافًا للدولة اللبنانية ماليًا واقتصاديًا وشعبيًا. فالكهرباء، التي كان يُفترض أن تكون مدخلًا للإصلاح، تحولت إلى ساحة تبادل اتهامات ومحاولة تسجيل نقاط في لحظة سياسية شديدة الحساسية تسبق موعد إجراء الانتخابات النيابية.
يُحمِّل كل طرفٍ الآخر مسؤولية الفشل المزمن في هذا القطاع. فالقوات تعتبر أن القوى التي شاركت في الحكومات المتعاقبة، وفي مقدمها “التيار الوطني الحر”، عطّلت خطط الإصلاح ومنعت إقرار مشاريع حيوية، سواء عبر الاعتراض داخل مجلس الوزراء أو من خلال إثارة الشبهات السياسية والإعلامية حول أي خطة مطروحة. ويؤكد التيار، في المقابل، أن ما طُرح سابقًا كان يتضمن حلولًا متكاملة تبدأ بزيادة الإنتاج وتحديث الشبكات، لكنها سقطت بفعل الحسابات السياسية.
القوات اللبنانية تعتبر أن التيار الوطني الحر أمسك عمليًا بملف الطاقة لسنوات طويلة من دون تحقيق نتائج ملموسة، وأن مليارات الدولارات صُرفت من دون الوصول إلى كهرباء مستدامة. وترى القوات أن المشكلة لم تكن في غياب الخطط، بل في غياب الشفافية والمحاسبة، معتبرةً أن أي إصلاحٍ حقيقي يبدأ بإدارةٍ مستقلةٍ للقطاع ووقف الهدر والزبائنية.
هذا الاشتباك يتجاوز البعد التقني لملف الكهرباء ليصل إلى جوهر الصراع السياسي بين الطرفين، حيث يحاول كلٌّ منهما تثبيت روايته أمام الرأي العام، خصوصًا في ظل التراجع الشعبي الحاد بالطبقة السياسية ككل. فالكهرباء تمثل عنوانًا مثاليًا للمواجهة، كونها تمس حياة اللبنانيين اليومية وتعكس فشل الدولة المزمن.
اللافت أن هذا السجال يأتي في وقتٍ يُفترض فيه أن يكون ملف الكهرباء نقطة إجماعٍ وطني، لا مادة انقسام إضافية. فالمواطن، الغارق في العتمة وفواتير المولدات، لم يعد معنياً بتبادل الاتهامات بقدر ما يبحث عن حلٍّ عمليٍّ ومستدام. إلا أن الواقع السياسي يوحي بأن الملف سيبقى ورقة ضغطٍ متبادلة، تُستخدم في الصراع السياسي أكثر مما تُستثمر في مسار الإصلاح.
ما من شك أن التوتر بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية حول ملف الكهرباء صورة مصغرة عن الأزمة اللبنانية العامة: صراع روايات، غياب ثقة، وانعدام قدرة على تحويل الملفات الحيوية إلى مساحة تعاون. وبين هذا وذاك، تبقى الكهرباء رهينة السياسة، فيما العتمة مستمرة.




