أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الفساد ورهان الدولة

لم يكن توصيف رئيس الجمهورية جوزاف عون، أمس، بأن “أربعين عاماً من الفساد والإدارة اللبنانية الضعيفة لا يمكن تصحيح تداعياتها بين ليلة وضحاها”، مجرد اعتراف بحجم الأزمة، بل جاء بمثابة رسم لخريطة الطريق أمام مرحلة تواجه فيها الدولة أحد أكبر التحديات منذ انتهاء الحرب الأهلية. فالفساد في لبنان لم يعد مجرد ممارسات فردية أو تجاوزات إدارية، بل تحول، على مدى عقود، إلى منظومة متشابكة تسللت إلى مفاصل المؤسسات، وأضعفت الإدارة العامة، واستنزفت المال العام، وأفقدت المواطنين ثقتهم بالدولة.

واليوم، يقف لبنان أمام فرصة جديدة لإعادة بناء مؤسساته على أسس مختلفة، إلا أن هذه المهمة تتطلب وقتاً وإرادةً سياسيةً متواصلةً، لأن إصلاح ما تراكم خلال أربعة عقود لا يمكن أن يتم بقرارات سريعة أو بإجراءات شكلية.

تقول مصادر سياسية بارزة إن سنوات الفساد في العقود المنصرمة أنتجت دولةً مثقلةً بالعجز المالي، وإداراتٍ تعاني الترهل، ومرافقَ عامةً فقدت الكثير من فعاليتها، فيما أصبحت الرشوة والمحسوبيات والتوظيف السياسي جزءاً من الواقع الإداري. كما انعكس هذا الواقع على الاقتصاد والاستثمار والخدمات، فازدادت معدلات الهجرة، وتراجعت ثقة الداخل والخارج بقدرة الدولة على إدارة شؤونها بكفاءة وشفافية. وفي المقابل، يؤكد العهد الحالي أن إعادة بناء الدولة تشكل أولوية، وهو ما يتطلب ترجمة الشعارات إلى خطوات تنفيذية متراكمة، تبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم المؤسسات، وتعزيز استقلالية القضاء، وفرض مبدأ المحاسبة على الجميع، من دون استثناء.

وتلفت المصادر النظر إلى أن حكومة الرئيس نواف سلام تعمل، في هذا السياق، على تنفيذ مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى الحد من الفساد وتعزيز الشفافية، من أبرزها تسريع التحول نحو الحكومة الإلكترونية لتقليص الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وتطوير أنظمة الشراء العام بما يضمن المنافسة العادلة، وتفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش، وإعادة تنظيم آليات التوظيف في القطاع العام وفق معايير الكفاءة، إلى جانب تشديد الرقابة على الإنفاق العام، وتعزيز الرقمنة في المعاملات الإدارية، بما يحد من فرص التلاعب والسمسرات.

كما تسعى الحكومة إلى تحسين الجباية الضريبية، وضبط التهريب عبر المعابر، وإصلاح قطاع الجمارك، وتحديث الإدارة المالية للدولة، وهي خطوات تشكل ركائز أساسية لاستعادة الثقة بالمالية العامة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في إدارة الموارد.

وفي تقدير هذه المصادر، فإن نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطاً بقدرة السلطة على الاستمرار في المواجهة، وعدم الرضوخ لضغوط شبكات المصالح التي استفادت طويلاً من غياب المحاسبة. فالفساد لا يسقط بمجرد إصدار القوانين، بل يحتاج إلى إرادة سياسية ثابتة، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، ورقابة فعالة، إضافة إلى دور المجتمع في مراقبة الأداء العام.

وأضافت المصادر: “يدرك اللبنانيون أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الخطط المعلنة، بل بالنتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء عبر تحسين الخدمات، أو تسريع المعاملات، أو وقف الهدر، أو محاسبة المتورطين في قضايا الفساد، مهما كانت مواقعهم.”

وتعتبر أن بناء الدولة من جديد هو مشروع طويل يتطلب تراكماً في الإنجازات أكثر مما يحتاج إلى الوعود. وإذا نجحت الحكومة الحالية في تثبيت قواعد الشفافية، وإرساء ثقافة المساءلة، وإبعاد الإدارة عن النفوذ السياسي، فإن لبنان سيكون قد بدأ بالفعل الخروج من دوامة استنزفته لعقود. أما إذا بقيت الإصلاحات أسيرة التجاذبات والحسابات الضيقة، فإن السنوات الأربعين التي تحدث عنها الرئيس قد تتحول إلى إرث يمتد لعقود جديدة، فيما يبقى اللبنانيون ينتظرون الدولة التي طالما حلموا بها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى