افتتاحية اليوم: العقوبات الأميركية تحوّل خطير

لم تعد العقوبات الأميركية في لبنان تقتصر على استهداف شخصيات سياسية أو شبكات مالية وتجارية يُشتبه بارتباطها بحزب الله، بل دخلت أمس الأول مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية، مع انتقالها إلى مقاربة تمسّ مقرّبين من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومؤسسات أمنية تُعدّ من ركائز الدولة. هذا التحوّل لا يُقرأ باعتباره إجراءً تقنياً أو مالياً فحسب، بل يحمل أبعاداً سياسية تتصل بطبيعة الصراع المفتوح بين واشنطن والحزب، وبمحاولة إعادة رسم حدود النفوذ داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
التصعيد الجديد يعكس اقتناعاً أميركياً متزايداً بأن نفوذ حزب الله لم يعد محصوراً في البنية العسكرية أو السياسية التقليدية، بل تمدّد خلال السنوات الماضية إلى مفاصل إدارية وأمنية ومالية، ما دفع الإدارة الأميركية إلى اعتماد أدوات ضغط أكثر اتساعاً.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأميركية واضحة: أي مؤسسة يُشتبه بأنها توفّر غطاءً أو تسهيلاً للحزب، لن تبقى خارج دائرة الاستهداف، مهما كانت حساسيتها داخل النظام اللبناني.
هذا التطور يضع لبنان أمام مرحلة دقيقة للغاية، لأن الاقتراب من المؤسسات الأمنية، ولا سيما الجيش والأمن العام، يختلف جذرياً عن استهداف أفراد أو كيانات خاصة. فالمؤسسات العسكرية والأمنية شكّلت طوال السنوات الماضية نقطة التوازن الأكثر أهمية في بلد يعيش انهياراً اقتصادياً وانقساماً سياسياً حاداً. كما أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لطالما قدّم نفسه داعماً لاستمرار هذه المؤسسات، باعتبارها الضامن الأخير للاستقرار ومنع الانهيار الكامل.
لكن انتقال العقوبات إلى هذا المستوى يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وبعض الأجهزة الرسمية، ولا سيما الجيش، وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة بصدد الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة اللبنانية نفسها. فالأميركيون يدركون أن أي ضغط على المؤسسات الأمنية ستكون له ارتدادات سياسية داخلية معقّدة، وقد يؤدي إلى زيادة التوتر بين القوى اللبنانية، بدل تقليص نفوذ الحزب.
وفي المقابل، يرى كثيرون أن هذا النوع من العقوبات قد يفاقم هشاشة الدولة اللبنانية بدل تعزيزها، خصوصاً في ظل الانهيار المالي والتراجع الكبير في قدرات المؤسسات الرسمية. فإضعاف الأجهزة الأمنية، أو إدخالها في دائرة الاشتباه الدولي، قد ينعكس سلباً على قدرتها على حفظ الاستقرار، ويزيد من مناخ القلق الداخلي في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
وهنا، لا يمكن فصل هذا المسار عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يتحول لبنان تدريجياً إلى إحدى ساحات الضغط المتبادل. لذلك تبدو العقوبات الجديدة جزءاً من معركة تتجاوز الداخل اللبناني، وتندرج ضمن محاولة أميركية لإعادة ضبط النفوذ الإيراني في المنطقة، عبر استهداف البنى التي يُعتقد أنها تؤمّن له الحضور والاستمرارية.
أمام هذا الواقع، يجد لبنان نفسه مرة جديدة بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان الانقسام الداخلي، فيما تتزايد المخاوف من أن تتحول مؤسسات الدولة نفسها إلى ساحة مواجهة مفتوحة، في وقت تبدو البلاد بأمسّ الحاجة إلى حماية ما تبقّى من بنيتها الرسمية قبل الانزلاق نحو مزيد من التفكك والاهتزاز.




