أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الشهادة ضحية الحرب

عكس قرار إلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام حجم التحديات الاستثنائية التي يواجهها لبنان، في مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الاستحقاقات التربوية. فالقرار الذي اتخذته وزيرة التربية، ريما كرامي، خلال جلسة مجلس الوزراء أمس، لم يكن مجرد إجراء إداري أو تربوي، بل شكّل مؤشراً إضافياً على مدى تأثير الظروف الأمنية في مختلف مفاصل الحياة العامة، بما فيها القطاع التعليمي الذي لطالما سعى إلى الحفاظ على استمراريته، رغم العواصف.

ووفقاً لمصادر قريبة من الوزيرة كرامي، فإنه منذ بداية العام الدراسي، كانت وزارة التربية تعمل على إعداد الخطط اللوجستية والتنظيمية لإجراء الامتحانات الرسمية في مواعيدها المحددة. وقد استكملت الإدارات التربوية معظم التحضيرات اللازمة، فيما كان الطلاب يستعدون لخوض استحقاق يُعدّ محطةً أساسيةً في مسارهم الأكاديمي. غير أن التطورات الأمنية المتسارعة فرضت واقعاً مختلفاً، فمع اتساع دائرة المخاوف المرتبطة بالوضع الميداني، برزت تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على تأمين ظروف متساوية وآمنة لجميع المرشحين في مختلف المناطق اللبنانية.

وقالت المصادر: «أمام غياب الضمانات الكافية لحماية الطلاب والأساتذة والمراقبين، وتأمين وصولهم إلى مراكز الامتحانات، أصبح خيار الإلغاء مطروحاً بقوة على طاولة القرار».

ولعل ما أعطى القرار بُعداً استثنائياً هو تأكيد الجهات الرسمية أن الاستعدادات كانت مكتملة، وأن المشكلة لم تكن تربوية أو تقنية، بل أمنية بامتياز، نتيجة الحرب التي لم تنتهِ بعد. وهذا يعني أن الأزمة تجاوزت حدود القطاع التعليمي، لتلامس جوهر قدرة الدولة على إدارة استحقاق وطني جامع في ظل ظروف غير مستقرة.

وأضافت المصادر: «لقد أثار القرار نقاشاً واسعاً بين مؤيدين رأوا فيه خطوة واقعية تحمي الطلاب من مخاطر محتملة، وبين معارضين اعتبروا أن الامتحانات الرسمية تشكل معياراً أساسياً لتقييم المستوى الأكاديمي وضمان العدالة بين المتعلمين. لكن المعضلة الأساسية تمثلت في كيفية تحقيق المساواة بين طلاب يعيشون ظروفاً متباينة؛ فبعض المناطق، ولا سيما الجنوب والضاحية، شهدت اضطرابات مباشرة بفعل الحرب أثرت في انتظام التعليم، فيما تمكنت مناطق أخرى من متابعة الدراسة بوتيرة شبه طبيعية. ومن هنا برزت صعوبة تنظيم امتحان موحد يعكس فعلياً مستوى التحصيل العلمي لجميع الطلاب».

كما أن الضغوط النفسية التي عاشها التلامذة خلال الأشهر الماضية لعبت دوراً أساسياً في إعادة تقييم المشهد. فالأجواء الأمنية المتوترة، وما رافقها من قلق يومي، تركت آثاراً واضحة في قدرة كثيرين على التحضير والاستعداد بالشكل المطلوب.

وفي اعتقاد المصادر، فإن إلغاء الامتحانات لا ينهي الأزمة، بل يفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بآليات منح الشهادات وضمان مصداقيتها محلياً وخارجياً. كما يفرض على وزارة التربية العمل على تطوير أدوات تقييم بديلة، تضمن الحد الأدنى من العدالة الأكاديمية، وتحافظ على ثقة المؤسسات التعليمية والجامعات.

في المقابل، يكشف القرار حجم الخسائر غير المباشرة التي تتركها الأزمات الأمنية على الأجيال الشابة، فالطلاب الذين كانوا ينتظرون تتويج سنوات من الدراسة وجدوا أنفسهم أمام استحقاق مختلف، عنوانه التكيف مع ظروف استثنائية فرضتها الأحداث.

وانطلاقاً مما تقدم، فإن إلغاء الامتحانات الرسمية هذا العام يعكس صورة لبنان، الذي باتت أزماته تتجاوز السياسة والاقتصاد لتطال التعليم نفسه. وبين ضرورات الأمن ومتطلبات التربية، اختارت الدولة حماية الطلاب أولاً، لكن التحدي الحقيقي سيبقى في كيفية تعويض ما خسره القطاع التعليمي، وضمان عدم تحول الاستثناء إلى قاعدة في السنوات المقبلة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى