افتتاحية اليوم: الدولة تعود إلى الجنوب

لم يعد ملف عودة أبناء الجنوب إلى قراهم وبلداتهم مجرد عنوان إنساني يرتبط بانتهاء المواجهات العسكرية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها في واحدة من أكثر المناطق حساسية على المستويين الأمني والسياسي. فالرسالة التي حملها رئيس الحكومة نواف سلام خلال زيارته إلى الجنوب وتحديدا الى بلدة زوطر الغربية ، وما أعقبها من اجتماع في السراي خصص لوضع الخطوات العملية لتسهيل العودة، تعكس انتقال الدولة من مرحلة إطلاق المواقف إلى مرحلة إعداد خطة تنفيذية عنوانها إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.
فالعودة لا تُقاس بمجرد فتح الطرق أو إزالة الركام، بل بقدرة الدولة على إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وهذه الثقة تبدأ من توفير الأمن عبر انتشار الجيش والقوى الأمنية، مروراً بإعادة الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه واتصالات ومدارس ومستشفيات، وصولاً إلى تأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم للأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها.
ويكتسب هذا المسار أهمية استثنائية لأن الجنوب لا يواجه فقط آثار الدمار الذي خلفته الحرب، بل يواجه أيضاً تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة فرضتها سنوات من الأزمات المالية والانهيار الاقتصادي. لذلك فإن أي خطة للعودة لا يمكن أن تكون محصورة بالإغاثة الآنية، بل يجب أن تتحول إلى مشروع متكامل للتعافي المبكر والتنمية المستدامة، يعيد تحريك الاقتصاد المحلي ويشجع السكان على الاستقرار مجدداً في مناطقهم.
كما أن الحديث عن المنازل الجاهزة والسكن الانتقالي يعكس إدراكاً رسمياً بأن عملية إعادة الإعمار الشاملة ستحتاج إلى وقت، وأن توفير حلول مؤقتة بات ضرورة لمنع نزوح طويل الأمد قد يترك آثاراً ديموغرافية واجتماعية يصعب معالجتها لاحقاً.
كما أن هذه الخطوات تحمل بعداً يتجاوز الإطار الخدماتي، إذ تشكل فرصة للدولة لتأكيد حضورها المباشر في الجنوب، ليس فقط من خلال المؤسسات العسكرية والأمنية، وإنما أيضاً عبر الإدارات المدنية والوزارات والهيئات الرسمية. فكلما نجحت الدولة في إدارة مرحلة العودة، عززت حضورها وثقة المواطنين بها، ورسخت مفهوم أن مؤسساتها هي المرجعية الأولى في إدارة شؤون المناطق المتضررة.
غير أن نجاح هذه الخطة سيبقى مرهوناً بسرعة التنفيذ وتوفير التمويل اللازم والتنسيق بين مختلف الإدارات المعنية، لأن أبناء الجنوب الذين صبروا طويلاً ينتظرون إجراءات ملموسة أكثر من انتظارهم للوعود. فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إطلاق الشعارات، بل مرحلة قياس النتائج على الأرض.
انطلاقاً مما تقدم فإن عودة الدولة إلى الجنوب على ما يبدو متلازمة مع عودة الجنوبيين أنفسهم. فإذا نجحت الحكومة في ترجمة تعهداتها إلى مشاريع وإنجازات، فإن الجنوب سيدخل مرحلة التعافي بثقة أكبر، أما إذا تعثرت الخطط أو تأخرت، فإن الفجوة بين المواطن والدولة ستتسع مجدداً. ومن هنا، فإن معركة إعادة الحياة إلى الجنوب لا تقل أهمية عن معركة استعادة الأرض، لأن بناء الإنسان واستقراره هو الركيزة الأساسية لأي استقرار دائم.




